تشترك أنظمة الدول الصحية على اختلاف أيديولوجياتها سواء كانت إشتراكية أو أنظمة اقتصاد حر(رأسمالي) أم كانت أنظمة مختلطة في أن الطلب على الخدمات الصحية عادةً ما يكون غير متكافئ مع العرض الذي توفره الدولة أو مؤسسات الأعمال التي تقدم منفعة التأمين الصحي للعاملين لديها وذلك لعدة عوامل أهمها أن الطلب على الخدمة الصحية كسلعة حيوية وضرورية للحياة والرفاه يحدثه ويتحكم به مقدمو الخدمة أنفسهم وعلى رأسهم الطبيب المعالج (Demand Induced Product). إضافة إلى أن الدول مهما كانت متقدمة في مجال التخطيط لا تستطيع تجسير الفجوة بين المطلوب من الخدمات الصحية والمتاح منها في مدة زمنية بسيطة نظراً لمحدودية الموارد المالية أو ارتفاع معدلات النمو السكاني أو بسبب استقبال موجات لجوء في هذه الدول وهذا هو الحال في الأردن.

وقد دأب الرسمي الأردني من خلال وزارات الصحة المتعاقبة على إيجاد حلول لمشكلة زيادة الطلب على الخدمات الصحية باتباع النهج الإضافي في التعامل مع هذه المشكلة المزمنة فتقوم بين الفترة والأخرى بإضافة مستشفى هنا ومركز طبي هناك وتعيين بعض الكوادر الطبية في أماكن النقص، إلا أن هذه الحلول لا ترقى إلى مستوى الحلول الناجعة والحاسمة ويستمر التذمر والشكوى من قبل المواطنين. وعليه فإن على الدولة ممثلة بوزارة الصحة كونها كافلة للمواطن ومسؤولة عن صحته ورفاهه أن توفر له تغطية صحية تليق بإنسانيته، ومن هنا جاءت مشاركة المؤسسات الصحية الأردنية في مشروع التغطية الصحية الشاملة (Universal Health Coverage) الذي تتبناه منظمة الصحة العالمية والوكالة الأميركية للتنمية من خلال عقد الندوات وورشات العمل ودعم برامج التدريب الخاصة بهذا المشروع. ولتحقيق التغطية الشاملة للمواطنين الذي أصبح مطلب الجميع في الأردن لا بد من توفير التمويل اللازم والكافي، من هنا يجب القول أن الحلول الإضافية الرأسمالية التي تتبعها وزارات الصحة المتعاقبة لا تعالج موضوع شمولية التغطية الصحية ناهيك إلى أن الإنفاق الرأسمالي يحمل دائماً في طياته لا بل ينتج إنفاقاً جارياً لتغطية عمليات التشغيل.

وهنا يبرز موضوع الشراء الاستراتيجي للخدمات الصحية كأحد الحلول الممكنة والمناسبة لتجسير الفجوة بين العرض والطلب على الخدمات الصحية في الأردن (Viable Solution) الذي من أهم أهدافه: تعزيز مبدأ العدالة الاجتماعية في توزيع الموارد على السكان وتسهيل وصولهم إلى الخدمة ويرفع كفاءة المؤسسات الحكومية القائمة ويخفف العبء عليها، كما أنه يساعد على ضبط النفقات الصحية التي يتزايد نموها سنة بعد أخرى ويشجع التنافس بين مقدمي الخدمات الصحية المتعاقد معها لتقديم خدمات عالية الجودة، إضافة إلى أنه يجسد مبدأ التكامل بين القطاع العام والخاص.

وهنا لا بد من الإجابة على جملة التساؤلات التالية قبل تبني هذا الحل حتى تكون النتائج محققة للأهداف المرجوة من وراء هذا المشروع:

- ما هي الخدمات الصحية والاجراءات الجراحية التي تود وزارة الصحة شراءها من القطاع الخاص آخذين بعين الاعتبار الحاجة الحقيقية للسكان، والأولويات على مستوى الوطن والتكلفة المترتبة على هذا القرار.

- من هم مقدمو الخدمة الذين تمتاز خدماتهم بجودة عالية وكفاءة في الأداء الطبي وأسعارهم معقولة لكي نتعاقد معهم.

- ما هي آليات وترتيبات التعاقد وطريقة الدفع.

وفي الختام أقول أن التوسع في عقود شراء الخدمات الصحية في العاصمة عمان وفي باقي المحافظات من شأنه أن يحقق مبدأ العدالة الاجتماعية في توزيع الموارد الاقتصادية ويعالج النقص في الخدمات المتاحة ومؤسسات تقديمها والتمايز في مستوياتها ليستفيد منها المواطنون اينما كانوا على مساحة الوطن.

f.massarweh@yahoo.com

إستشاري إدارة المستشفيات والتخطيط الصحي