من الصعب أن تعيش على هامش الحياة، ومن الأسى أن تجد أمة عالة على العالم ولا تشكل رقما في المعادلة الدولية للأقتصاد كما يقول الدكتور خالد سعد النجار من باب أمانة النقل في هذا الخصوص حقا إنها كارثة أن يكثر المستهلكون ويتلاشى المنتجون، ويملك القوت العدو ويبيع السلاح الحاقد ويصنع الدواء من لا يرقب في المريض إلا ولا ذمة. إنها «ثقافة الاستهلاك» التي بدأت تتفشى في كثير من المجتمعات التي ابتاعتها من غيرها المنتجة نظير حريتها وكرامتها وسيادتها. ثقافة الدون من الحياة، وإيثار الاسترخاء على الجد وعلو الهمة، وإحلال مظهر الأجساد المترهلة عوضا عن الرشاقة والفكر المتقد.

قال أبو حامدٍ الغزالي في (ميزان العمل) رحمه الله: «إنما يفسد الناسَ نصفُ متكلمٍ ونصف فقيهٍ ونصف نحويٍ ونصف طبيبٍ. هذا يفسد البلدان وهذا يفسد الأديان وهذا يفسد اللسان وهذا يفسد الأبدان». إن «ثقافة الاستهلاك» ثقافة إتكالية انهزامية تبتلع الثروة وتفقد الحس بقيمة الأشياء وتجعل المرء ينشغل بالمظهر عن الجوهر عندما يصير الإنفاق على الكماليات هدفا ورسالة ومظهرا اجتماعيا يبذل فيه الغالي والنفيس. بل ربما تصل هذه الثقافة إلى حد الهوس أو المرض أو تدفع صاحبها لأن يمد يده إلى الحرام ليشبع نهمه ويرضي غريزته. وكما يقول (هارتلى جراتان): «المستهلك مخلوق معَقَّد يعيش في عالم معَقَّد. وعلى سبيل المثال لا الحصر تشير الدراسات وحسب موقع شبكة النبأ المعلوماتية الى ان إجمالي إنفاق المرأة العربية على مستحضرات التجميل يتجاوز 25 مليار دولار سنويا، وكشفت الدراسة تنامي ظاهرة الاستهلاك حتى تحولت إلى ثقافة سلبية تقع مسؤوليتها على المستهلك نفسه، ومن مؤشراتها أن في عام 2004 بلغ الإنفاق على الأطعمة المستوردة إلى دول الخليج 12 مليار دولار، وأن تلك المنطقة تستورد أكثر من 90% من احتياجاتها من الطعام والشراب. كما كشفت التقارير عن الحجم المذهل لإنفاق نساء الخليج العربي وبخاصة اللاتي دون سن الخامسة والعشرين على منتجات التجميل والصحة والذي يقدر بنحو 7.1 مليار دولار سنوياً وفقا لما ذكرته الخبيرة ميرفت الخطيب. لذلك نرى بأننا هنا في الأردن من وجهة نظر شخصية لا نحتاج إلى كل هذا الترف في الأستهلاك ويجب تقنين كثيراً مما نلبس ونأكل وحتى ما نركب في ظل حاجة الكثير من طبقات المجتمع المعدمة أصلاً لما يسد رمقهم وما يحتاجونه لحياتهم اليومية ناهيك عن الترف في كل من مجالات الحياة المتسارعة !!.

كما يرى المحللون أن استهلاك الأشياء بات أسهل وأقرب، وأن الاستهلاك المفرط يخمد العقل ويفقده القدرة على التفاعل والتفكير والتحليل، حيث يتعامل الذهن مع صنوف المنتجات باستسلام، بخلاف الإنتاج الذي يتطلب اتخاذ القرارات والمفاضلة بين الاختيارات والتجريب والمحاولة بما يقتضيها النجاح والفشل، يذكر أنه من منتصف هذا القرن تضاعف متوسط الاستهلاك العالمي للفرد الواحد من النحاس والطاقة، واللحوم والصلب والخشب مرة واحدة، بينما تضاعف متوسط استهلاك الأسمنت كما تضاعف عدد مالكي السيارات أربع مرات، وتضاعف استهلاك البلاستيك خمس مرات، والألمونيوم سبع مرات. ومنذ عام 1950م استهلك سكان العالم من السلع والخِدْمات ما يُعادل ما استخدمه البشر منذ فجر التاريخ الإنساني..

لسنا بحاجة لأن ندلل على أن الإسلام اعتبر الاستهلاك وسيلة وليس غاية، وإنما وقفت الشريعة الغراء موقف الخصم مع الاستهلاك المذموم المعني بالكماليات والإغراق في الملذات حتى صار الغاية والهدف، خاصة وأن جشع الإنسان لا يرتوي، يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله: «وأما المطاعم والمشارب والملابس والمناكح فهي داخلة فيما يقيم الأبدان ويحفظها من الفساد والهلاك وفيما يعود ببقاء النوع الإنساني ليتم بذلك قوام الأجساد وحفظ النوع فيتحمل الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض ويقوى على حملها وأدائها.».

هذه القيم الناصعة كفيلة بأن تقضي على أزمات العصر التي أحدثها العالم الاستهلاكي الأجوف من تآكل للموارد الطبيعية وارتفاع معدلات التلوث البيئي ومشاكل التخلص من النفايات. هذا فضلا عن تبدل القيم الاجتماعية وإزاحة الفضائل أمام طوفان الغرائز، وما يتبعه ذلك من أمراض عضوية ونفسية.

ورغم تعدد النظريات التي تصدت بالحلول لحمى الاستهلاك الترفي إلا أنها تكاد تتفق على دور التوجيه والتثقيف الفكري لتعديل سلوكيات المجتمعات وضبط تصرفاتها نحو الاستهلاك المتهور، وبالطبع لا تجد أحكم ولا أنصع من التعاليم الإسلامية في ترسيخ قناعة تامة بالترشيد في أمورنا كلها وتفعيل دور سلم الأولويات بتقديم الأهم على المهم، والنظر للاستهلاك على أنه عبادة وطاعة وغريزة فطرية إذا اتسمت بالانضباط دون إفراط ولا تفريط.قال أيضا الفاروق عمر - رضي الله عنه-: «إياكم والبطنة في الطعام والشراب؛ فإنها مفسدة للجسد، مورثة للسقم، ومكسلة عن الصلاة».

Imad.makahleh@gmail.com