عمان- إبراهيم السواعير

في مستهلّ ندواته النقديّة، ناقش مهرجان مسرح الطفل الأردني الخامس عشر، قضيّة مهمّة تمخّضت عن نقاش جاد، شارك فيه ممثلون ومخرجون محترفون وإعلاميون مهتمون وهواة وتربويون، عبّروا جميعهم عن تأييدهم لطرح المخرج الفنان زيد خليل مصطفى، الذي داخل من بين الحضور ولم يشأ أن يثبّط من حالة التفاعل الحاصلة مع مسرحية "سنبلة نعنوع"، والذي يتعلّق بسؤال: هل نحتاج في مسرح الطفل إلى أن يكون ممثلوه من الأطفال محترفين؟!..وكيف يمكن أن يتخلّى الطفل عن صنميّة التلقين باتجاه التفاعل والتواصل والإقناع؟!.. وهل يمكن أن نحمّل كل شيء على أرض المسرح مهمّة ما في العرض؟!

ومع إدراكهم، في الندوة التي أعقبت العرض الأول في المهرجان والتي شارك فيها المسرحي خالد المسلماني والمخرج المنفّذ لـ"سنبلة نعنوع" أحمد عليمات بإدارة الزميل رسمي محاسنة، للجهد الكبير الذي بذله الفنانان المحترفان نضال البتيري وأحمد الصمادي، إلا أنّ الحضور الذي أبدى فرحةً بحكاية العرض ومغامرات البطل في البحث عن بذور الصدق والشجاعة والأمانة، وعودة المهاجرين إلى وطنهم الذي أنبت من بعد قحط،..كان جمهوراً من منظور أسئلته يعلم تمام العلم أنّ ثمّة زمناً يمكن أن يشتدّ فيه الأطفال ليكونوا فنانين مبدعين، وأنّه لا بدّ من فتح أذهانهم وجرّهم إلى منطقة يريدها الكبار، وهو رأيٌ صرّح به الفنان زيد خليل، معتمداً على حسّ الطفل المبكّر ومدى قدرته على استيعاب الآفاق الممنوحة بما لا يلغي فطرةً أصيلةً تكون جذوةً فيما بعد لما ينتظره المسرح من إبداع.

وإذا كان مسرح الطفل، في مادته النظريّة، كما قال الفنان نضال البتيري الذي جسّد شخصيّة الجد الحكيم ودعا إلى التشبث بالأرض والتفتيش عن الحل، هو مسرح يجب أن يجمع بنيه على المحبة أولاً وقبل أن يجتهد النقاد في مسائل الإضاءة والديكور والأداء والدلالات المصاحبة،.. فإنّ معنى ذلك هو أنّ فرحة العائلة وهي تجسد الأدوار ستنتقل حتماً إلى الجمهور الذي يمتلك بالتأكيد ذائقةً مبررة لأن يتفاعل أو يفرح، ويردد حتى مفاهيم وقضايا دون أن يعلم أنها مفاهيم نقدية وقضايا تطرح على طاولة النقاش الموضوعي لهذا العمل أو ذاك.

لكنْ، كان على الأطفال أن يتدربوا جيّداً، كما قال المخرج خالد المسلماني الذي قدّم ورقةً نقديةً في العرض، لأنّ الشكل الخطابي لهم كان أشبه بالمسرح المدرسي للصفوف الأولى، مع أنّ بعضهم قدّم أداءً مقنعاً كالطفلة بتول التي مثّلت دور السنبلة في حوارها مع نعنوع الفنان أحمد الصمادي، ومع أنّ المخرج عيسى الجراح استطاع أن يثري العمل وينوّع بالدّمى وخيال الظل، إلا أنّ موسيقى العرض كما رأى المسلماني لم تكن مواتيةً كثيراً أو ذات علاقة بمضمون العمل الذي افتتح به المهرجان، الذي يتواصل حتى الرابع والعشرين من الشهر الجاري على مسرحي المركز الثقافي الملكي الدائري والرئيس.

أمّا محاولة غرس قيم الصدق والشجاعة والأمانة، فكانت سريعةً على عقولهم، مثلما أن موسيقى العرض ليس لها علاقة بمضمونه باستثناء الألحان والأغاني التي جاءت في سياقه، كما أنه كان على العرض ألا يُظهر كامل جسم الدّمى على الشبّاك، وبالرغم من كلّ ذلك، كما رأى المسلماني، فقد تفاعل الأطفال من الجمهور وهو التفاعل الذي يحسب للمخرج في نهاية المطاف.

(سنبلة نعنوع)، التي كتبها العراقي د.مظفر الطيب، واشتغل عليها المخرج الجراح، حققت برأي العليمات المخرج المنفّذ غايتها في الجذب والتشويق وبث هدفها التربوي والاجتماعيّ، كما أنّ الموسيقى جاءت إبداعيّةً للفنان محمد أبو عزيز الذي صنع من كلام نثري صعب عالماً مدهشاً من الحياة، وهو ما ينطبق على الأزياء والديكور، ولذلك فإنّ المطالبة بأكثر من ذلك هو تمنّي الناقد الذي لو كان على ساحة العرض لرأى أمراً آخر، ولغيّر رأيه تجاه أزياء أهل القرية أو المساحة محلّ العرض، لأنّ اللون كان طاغياً وكانت الفرحة عارمة جداً في دخول نعنوع إلى الجمهور وتوزيعه في نهاية المسرحية هدايا الصدق والأمانة والشجاعة التي حصل عليها في حواره مع الطفلة بتول في رحلة البحث عن حل، وفي خضمّ انتظار الفنان نضال البتيري وعودة الأهالي الأطفال إلى القرية بعد يأس. ثمّ إنّ المنظر الأخضر للأرض وحالة الإنبات وازدياد السنابل كانت قد جلبت الفرح والسرور، بدليل ترديد الجمهور الأطفال وآبائهم مقاطع الأغاني والأهازيج التي تمّ أردنتها، وظلّت تحفز الأطفال على مقاعدهم وهم ينتظرون عودة نعنوع وحواراته المضحكة مع الجدّ البتيري، إذ صنع البتيري والصمادي نعنوع لوحات الفرحة والأمل والإضحاك، والدهشة في حوار نعنوع مع خيال الظل وهو يبحث عما يعيد للأرض بهجتها بعد جفاف، وأيضاً في حوارات سابقة ولاحقة، خصوصاً حين ارتجل الصمادي مفردات الإنترنت والموبايل وجعلها قريبة من المتلقي الطفل، تضحكه وفي الوقت ذاته تخدم العرض.

إنّ تثقيف العمل بهذه الارتجالات يدلّ على انسجام وكوميديا في سياق حوار، في حركات ومفاجآت وردود أضحكت الأطفال، وربّما أعادت إلى الأذهان عبارة هي من مواليد الربيع العربي (من أنتم؟ (! التي قالها الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي مخاطباً أعداءه، وهي العبارة التي تفاعل معها الأطفال ببراءة وانساقوا إلى أغنية ذات فضاء طيب وانسجام واضح باللغة الفصيحة(انثروا فرحاً، فما زال خبز قريتنا ينبض بالحياة، لا تتركوا أوطانكم فالعيش بالأوطان طوق نجاة، يا عالم الأطفال أنتم فرحتي بكم يكتمل العمر ويختلف النجاح).

يشار إلى أنّ مسرحية (سنبلة نعنوع) مثّلت فيها آيات الهندي وليالي الشريدة وتيماء الجراح ويوسف عيسى ورؤى وسدين وبتول عطوان وجود فارس ومحمود الجراح، أما التأليف والألحان الموسيقية فكانت لمحمد أبو عزيز، والغناء لعالية جبريل ومحمد ناصر، وصمم الديكور سهيلة عبادة وآلاء دغلس، كما كان تصميم الإضاءة للفنان خالد الخلايلة، وإدارة الإنتاج لفاتن الطريفي.