عمان - إبراهيم السواعير



تواصلت ندوات مهرجان مسرح الطفل الأردني الخامس عشر بوتيرة عالية في نقاش فاعل بين مخرجة العرض المسرحي"مصباح الأحلام" سهاد الزعبي وكاتبة النص الدكتورة نهلة الجمزاوي، إذ شكت الجمزاوي من الحيف الجائر على لوحات غاية في الطرافة والإمتاع والثيم الفلسفيّة، فيما رأت الزعبي أنّ ظروف العرض اقتضت ذلك، وفي هذا المضمار داخل مسرحيون ومهتمون مناقشين مفهوم الدهشة وخيانة النص أو تطويره، ودراماتورجيا الإخراج.

ففي الندوة، التي أدارها الزميل رسمي محاسنة وحظيت بحضور طيب في قاعة فخر النساء زيد بالمركز الثقافي الملكي، رأت الدكتورة الجمزاوي أنّ مؤلف العمل يطمح دائماً إلى أن يرى أفكاره وقد تحوّلت إلى كائنات تجري على الخشبة، لكنّ ذلك قد لا يتحقق، وربما من المستحيل أن يتحقق تبعاً لظروف الإنتاج وعاملي الوقت والمال. ودافعت الجمزاوي بحرقة عن نصّها بأنها أمضت خمسةً وعشرين عاماً تكتب مسرح الطفل، وتحمل دكتوراة الفلسفة وتكتب الشعر والأغنية الموجّهة للطفل، فلا أقلّ من أن لا تُقصى مشاهد ذهبت ضحيّة اختزال العمل، خصوصاً في مشهد الحوار مع الحوريّة، في مسرحية ترمي إلى تأكيد أن مارد المصباح السحري هو في الحقيقة داخلنا نحن قبل أن يكون في المصباح، وذلك عبر حوارات وتفتيش عن حل من مناطق وكواكب إلى أخرى في العرض، كما أنّ أربعاً من الأغاني لم تأخذ حقّها في النصّ أو أهملت، على أهميّة الأغنية ورونقها بالنسبة للطفل.

المسرحيّة دانا أبو لبن قدّمت إضاءةً على العمل، معبرةً عن أهمية العرض وفرحتها بحضور ثقافة الطفل المسرحية لدى العائلة الأردنية، خصوصاً والعرض يطرح ما يدور حولنا من مشاكل سياسيّة وظروف نعيشها، ويتأثر بها الطفل عدّة المستقبل، ومن الضروري أن تتوسع مداركه عن طريق المسرح.

وتحدثت أبو لبن عن حوار الشخوص الأطفال وميزات كلّ واحدٍ منهم وثيمة العرض، مقدّمةً بعضاً من النصائح حول الصوت الخالي من الإحساس في أوقات معيّنة ولدى شخصيّات بعينها، خصوصاً في طبقات الصّوت وما يخلقه ذلك من ضياع عند الحضور لفهم هذه الأصوات وتأويلها لأطفال أو كبار. كما تمنّت أبو لبن أن تكون النهاية بقوّة البداية في العمل الذي رأت أنّ فيه تشكيلات ليست مهمّةً، لغياب الوضوح بين التنقلات، ورأت أن مشاكل في ثبات الديكور، مع أنّ نجاح العرض أو فشله يعتمد على رأي الطفل وتفاعله، وقد تحقق هذا التفاعل على مستوى الفريق.

المخرج والممثل المسرحي الناقد زيد خليل مصطفى قدّم تعريفاً للدهشة بحسب ما توافق عليه الأدباء والفلاسفة والباحثين، بأنّها الحالة التي تقع بين لحظتين هما لحظة التلقي ومراجعة إنتاج العقل، محبّذاً تسمية "المتفرج" في مسرح الطفل والمسرح عموماً على تسمية "المتلقي" التي تجاوزناها في فترة الثمانينات، حيث الفرق يكمن بينهما في احتكام المتفرج لعنصر المشاركة.

ورأى زيد خليل أنّ أدواراً مبشرة كدور الحوريّة، وأنّ المخرجة الزعبي تبشر بالمزيد، متسائلاً عن مدى كفاية الدهشة، أو الكشف المبكّر لطفل تجاوز مرحلة الطفولة ودخل مرحلة الفتوّة، عن حقيقة أنّ مارد المصباح هو في أذهاننا في نهاية المطاف، وهو ما يتطلب برأيه التفكير بكسر التوقّع كعمل مفاجأة ما أو تغيير في المحتوى، فلم يكفه كمتفرّج كبير في فئته العمرية أن يرى شخصيّةً جاءت من كوكب آخر لتكتشف أنّ المارد هو في عقل الإنسان. وفيما يتعلق بموضوع خيانة النص، تطرّق زيد خليل إلى مفهوم جديد، قد لا يعرفه مخرجون، وهو دراماتورجيا المخرج، والحاجة إلى أن يصبح المؤلف أثناء اشتغال المخرج مستشاراً أدبيّاً، باعتبار النصّ المسرحي هو نص أدبي، حتى وإن كتبت الدكتورة الجمزاوي كما قالت، بقلم المخرج، فالنصّ يدخل المختبر والمؤلف هو مستشار أدبي يعيد قراءة بعض الأشياء التي قد تهم المخرج، مع أنّنا نقول دائماً إنّ كلاً حريص على رؤيته في مضمار الكتابة أو الإخراج.

من جانب أكاديمي، داخلت الدكتورة عائشة الجمل، طالبة الدراسات العليا في موضوع أزمة النص المسرحي العربي المعاصر، التي رأت أنّ العمل كان متكاملاً ورائعاً أمتع الطفل، حيث يتميّز الأطفال دائماً بالخيال، لكنّها تساءلت عن متناقضات وقعت بها بعض الشخصيات في مشاهد بعينها، خصوصاً في التباس الأمر في أداء شخصيّة واحدة لأدوار الكوميدي أو الجريء أو الجبان أو دور المنتفض عند رؤية حورية البحر، وهو ما خلق تشويشاً، إضافةً إلى ثغرات في المسرحية، منها إدخال العاميّة خلال العرض علماً بأنّ لغة العرض هي الفصيحة.

المخرجة سهاد الزعبي رأت أنّها نجحت مع فريق متآلف آمن بالتحدي بالرغم من نواقص ظروف معيّنة وغياب شخوص مهمين في الإخراج، وهو ما استدعى أن يتم التصرف سريعاً، معتبرةً العرض وتكافل الجميع أو تناوبهم على الإضاءة والصوت والموسيقى وخلافه، وقيامهم بأدوار متبادلة أو متعددة، هو نجاح لعائلة العمل الذي رأت أنّها استغنت عن حوارات فيه أو لوحات معيّنة، لعلمها المسبق أن الطفل يمكن أن ينتابه الملل في خمس وثلاثين دقيقة، وهو ما أدّى إلى الاستغناء عن لوحات غنائيّة كاملة، خصوصاً وهي دارسة للإخراج المسرحي والدراما، علماً بأنّ جميع شخوص العمل كانوا يمثلون لأول مرّة.

يشار إلى أنّ مسرحية"مصباح الأحلام" كانت من إعداد إياد الريموني وتمثيل سعيد المغربي وداليا القاضي ومحمد كنعان والطفلة رسيل الصعيدي، ومن إضاءة وسينوغرافيا ماهر جريان وموسيقى وغناء وألحان نور سرحان ومن أزياء سهاد الزعبي، أما منفذ الموسيقى واللوحات ومساعد المخرج فكان موسى السطري، في حين كُتب في إطار المسرحية "ابحث عن مارد المصباح بداخلك أولاً، فربما لن يساعدك أحد غيرك!".