لا أعرف حاضرةً أنتجت معادلات الحب والحرب مثلما فعلت عجلون (بصمت) ولم أجد حالةً أذِنَت للروح بالبوح (بصمت) مثل قلعتها ولا أظن أن الدنيا كلها قادرة على تفكيك شيفرات (الصمت) عندما يكتنفه الألم وتشوبه الفاقة فإنه والله للفقر في كل الدنيا عويل وللبطالة في جوانبها صليل ولعلل الجسوم في الحرمة ضرب من التحليل إلا في عجلون فالحلال بيّن والحرام بيّن بلا مشتبهات على الوطن ولشيفرة (الصمت) هيمنة على تلك المآذن وسطوة على أجراس الكنائس وسلطان على كل قديس وتعيس وفي كل يوم يشرق (الصمت) ليطوف على كرومها فلا يسلم منه حتى الخرير لتجري عيون مائها كما العشق في عيون الصبايا (بصمت) فإذا نزل بأرضها الملك أهتزت وربت وأنبتت من كل تهليل جديد..

في عجلون اجتاحنا الغضب بمقدار الحب فكل من لم يقابل (سيدنا) بات من ليلته غاضباً عابساً متجهماً يشتم كل مسؤولي الدنيا وقد غادر صبيحة ذلك اليوم مبنى المحافظة تاركاً خلفه صراخه وما يحفظه من شتائم بحق حظه العاثر وبما يمليه عليه الضمير ويستوجبه الواجب فلم يعد للصمت في ذلك اليوم مكان أما من قابل (سيدنا) فلقد بات من ليلته قرير العين متلحفا بذكريات تعميق العشق منتظرا لرسم سلامه ليعلقه في صدر الدار كما القلب مجاهر بمعصية التفاخر ليزيد الأقل حظا قلة على قلة حظهم فأهل عجلون لهم نكهة خاصة في تذوق (سيدنا) بعيون الأحرار وهم أصحاب طريقة في العشق لا يدرك كنهها سوى من أدرك أن نون ألف (سيدنا) ليست إلّا ملكيتهم للملك لا ملكه عليهم وقد تيقنوا بأن لكل واحد فيهم حصةً في مليكهم لابد لأحدهم من نيلها ولو كره المسؤولون..

جاء (سيدنا) ليقرأ عجلون فأذا هي تقرؤه لتمحو عنه أثر المشيب وما تسبب فيه نهج العالم المعيب وبدلا من أن يقدم لها فلقد أعطته كل ما لديها من حب وعشق تنتجه بإذن ربها لا أحيانا بل في كل حين وقد قالت كلمتها وسط هذا العبث لتبعثنا على الأمل من جديد وبأن فرسانها وقد امتطوا خيل الحق الذي ما بعده إلّا الضلال قد آذنوا في الأصقاع بأن لدينا فهما مختلفاً تاريخا وهوية وواقعا فمن ناجزنا ظلما بالحقوق السياسية المنقوصة عاجلناه بسيف الحقوق الاقتصادية المهضومة ومن دعانا لضلالة ملكية دستورية كأن ملكيتنا ما ولدها الدستور هديناه للحق بملكية شعبية ولدت في النور..

عجلون درة التاج الأردني من لم يطف بحواريها ويتحسس تاريخها ويجد عبقها.. من لم يأكل من بلوطها ويشرب من عيون مائها ويجد الشعر في عيون ليلاها.. من لم يسجد لخالقها في مصلى قلعتها فيرى فيها كنيستها.. من لم يطف مع رجالها ليصيد في وديانها ويختطف الثمر عن شجارها.. من لم يشرب من نتاج زيتونها ويذق كرم أهلها.. من لم يسبح الله مع زقزقة عاصفيرها في كل زوايا جمالها ورقتها.. من لم يقف إجلالا أمام هيبة جبالها وقسوتها ووعورتها ونبش في حاضرها ليروي ظمأه من التاريخ.. من فاته ندى فجرها ورقة نسيمها فلقد خدعته الحياة وفاته من عمره الكثير..