كلّما زرت أثراً قديماً من الآثار الشهيرة كالأهرامات والمدرّجات الرومانية والقصور التاريخية الضخمة أتساءل: هل هذه المنجزات الضخمة التي قامت على أكتاف العبيد والفقراء تعدّ إنجازاً حضارّياً ما دامت هي نتيجة للاستعباد وانتهاك حقوق البشر وإهانة الكرامة الإنسانية واستنزاف طاقاتهم وتعريض أجسادهم للخطر والموت، لأنّ هذه الصفات كلّها تتناقض تناقضاً تامّاً مع روح الحضارة وجوهرها القائم على خدمة الإنسانية والسعي إلى مصلحتها والحفاظ على كرامتها.

وكلّما شاهدتُ مصنعاً حديثاً ينتج أخطر أنواع الأسلحة والطائرات والصواريخ والقنابل والغوّاصات وأجهزة الرصد والتجسّس والملاحقة، أتساءل أيضاً هل يعدّ هذا التقدّم الصناعي إنجازاً حضارياً، ما دام يهدف إلى القتل والتدمير والحرق والإبادة والاحتلال والتهجير وتقييد حريّات الناس بالاعتقال والأسر ومنع السفر والنفي عن الأوطان، ممّا يتعارض كلّه مع روح الحضارة التي تهدف أساساً إلى خدمة الإنسان وضمان حقوقه وحريته وكرامته وسلامته.

صحيح أنّ هذه الآثار العظيمة ذات الأهمية التاريخية والمعمارية الكبيرة تعدّ إنجازات كبيرة للدول القديمة وأنّها تدلّ على عظمة تلك الدول وقوّتها واتساع حدودها الجغرافية مثلما تدلّ على التسلّط والاستبداد، إلاّ أنّها لا تدلّ على حضارة أو إنجاز حضاري ما دامت تقوم على أكتاف الضعفاء والعبيد ولخدمة السادة والمستبدّين وكذلك يمكن أن ينظر في هذه الأيّام إلى التطوّر الهائل في صناعة الأسلحة ووسائل القتل على أنّه إنجاز بشريّ عظيم يدلّ على قوّة الأمم وطغيانها وقدرتها على بسط سيطرتها ونفوذها على غيرها، إلاّ أنّ ذلك لا يجوز أن يسمّى إنجازاً حضارياً، لأنّ أهدافه ونتائجه تتعارض مع روح الحضارة. إنّ الإنجاز الماديّ البشريّ يمكن تصنيفه إلى نوعين: نوع يهدف ويفضي إلى خدمة الناس والبشرية كوسائل المواصلات والتواصل والاختراعات الطبيّة والعلاجات ووسائل السلامة المختلفة، وهذا يدخل في باب الحضارة الماديّة. أما النوع الثاني فهو ما يستخدم لقتل الناس واستعبادهم واستغلالهم والاعتداء على حقوقهم والمساس بكرامتهم وحرّيتهم، فمثل هذه الإنجاز مهما كان فيه من الإبداع العقلي لا يجوز أن يدخل في باب الحضارة.

ويقال الأمر ذاته عن الحضارة غير المادية، كالإنتاج الفكري والعلمي والأدبي والثقافي والقانوني، فما كان من هذا الإنتاج يرقى بالعقل الإنساني والقيم الإنسانية والعلاقات الإنسانية ويتبنى الحفاظ على إنسانية الإنسان وحقوقه وكرامته فهو ممّا يدخل في باب الحضارة، وما كان من هذا الإنتاج ما يدعو إلى التفرقة ويشجّع على الاستعباد ويثير الأحقاد بين الناس فهو ليس من الحضارة في شيء.

إنّ المعيار الحقيقي لما يمكن أن يطلق عليه صفة الإنجاز الحضاري هو ما يصبّ في مصلحة البشرّية دون أي تمييز ويسعى إلى إنهاء أية معاناة للناس من جوع أو عطش أو جهل أو أمّية أو خوف أو مرض أو تهديد أو فوضى أو غير ذلك

salahjarrar@hotmail.com