يقول «ماريوس كارلن» ان «ديمتريو فاجن» قد دوَّن في يومياته الخاصة ما يلي: «في اليوم العاشر من شهر تشرين الثاني عام (1953) زرت صديقي «ماريوس كارلن».. فهل هذا معقول!! لأن ديمتريو فاجن كان قد توفي عام 1945!!.

ويقول«ماريوس كارلن»: لقد عُدتُ الى مخطوطة مذكرات ديمتريو فاجن المحفوظة في مكتبة البلدية (بعد ان أشارت الصحافة الى هذا الأمر العجيب غير المقنع) فوجدت في يومياته الخاصة التي لم تُنشر بعد، مذكرات له تنتسب للسنوات الثماني المقبلة التي كتبها مسبقاً للزمن!!.

وبحكم الصداقة التي كانت تجمعني بديمتريو، بدأت في عمل تحريات يمكن وصفها بالدقيقة حسب التعبير التقليدي.

وعلى الرغم من أنني لم أرهُ منذ الحرب الأخيرة فإنه ترك في نفسي ذكرى طيبة، فقد كنت أرى فيه دائماً الرجل النزيه والجاد, وإن مسألة كتابة يومياته مقدماً تشير الى أحد احتمالين:

إما أنها مزحة من جانب الصحافيين الذين أخطأوا التقاط تواريخ يومياته والتي لم تُنشر بعد.

أو أن الأمر يتعلق ببداية شيء مهم وغريب.. فقد كان ديمتريو قد مات بطريقة غامضة في حانة في آمبيريس، وعندما نُقل جثمانه الى أوترخت قمت بزيارة خاصة للمدينة المذكورة واستخرجت من المكتبة العامة مخطوط يومياته، كان المخطوط الذي قام الصحافيون بمراجعته بشكل سطحي للتأكد من عدم تناسب التواريخ فقط، مليئاً بحروق السجائر وبقع القهوة.

واستطعت بصبر عالم بالكتابات القديمة فك رموز صفحاته شيئاً فشيئا، وبالذات تلك الخاصة بالسنوات التي تلي موته والتي من المفترض انها مختلقة.

كانت القراءة الأولى تؤيد هذا الرأي بالفعل، حيث تتحدث اليوميات عن رحلات عجيبة وعلاقات عاطفية ولكنها يائسة في عمومها، وكذلك عن أمور تافهة مثل أكلة ما في مطعم، او حديث مع سائق تاكسي.

وفجأة لفت نظري تفصيل ما... ففي الصفحة التي تسجل يوم 28من أيارعام 1948 يقول:«حضرت اليوم جنازة آرنستو بانكلوس».

وكان اسم آرنستو بانكلوس ملتبساً عليَّ بعض الشيء.. واستطعت بشيءٍ من التفكير التوصل إلى أنه كان اسم صديق مشترك لكلينا أيام الطفولة.

ثم حاولت مباشرة التوصل إلى أهله ولكنني لم أستطع, وبمراجعة صحف الفترة ذاتها تأكدت انه قد تم بالفعل دفن جثمان آرنستو بانكلوس في يوم 28 أيار من عام 1948.

وقد أحدث هذا التأكد شيئاً من الالتباس لديّ، ولكنه لم يعفني من بعض الارتياب، فاعتقدت ان الأمر مجرد صدفة او أنها حالة تكهن غير مستغربة من طبيعة الفنانين!.

لكنني على كل الاحوال بقيت مشغولاً، ولكي أهدأ قررت ان أصل بتحرياتي الى نتائجها الأخيرة.

يقول في الصفحة التي تحمل تاريخ 14 من نيسان عام 1949: «سأركب الطائرة اليوم متوجهاً الى أوسلو.. وسأزور المتحف الوطني بالمدينة».

كان عليَّ ان اقوم بمراجعة كل سجلات شركات الطيران الى ان اكتشفت في قائمة المسافرين اسم ديمتريو فان فاجن.

ونتيجة إثارة فضولي توجهت الى أوسلو ووجدت في سجل مشاهير الزوار الخاص بالمتحف الوطني توقيع صديقي مُسجلاً.

عندها بدأت أشك في ان أمراً ما غريباً قد حدث!! فتوجهت أكثر من مرة الى مدافن وتريخت بهدف رؤية شاهد القبر والتحقق من اسم وتاريخ وفاة ديمتريو, وعندما حصلت عليه طلبت فحص الرفات عن طريق الأطباء الشرعيين الذين أكدوا لي انها لديمتريو فاجن.

وبالعودة الى قراءة اليوميات قررت ان أقوم بتجربة أخيرة... ففي الصفحة التي تسجل ليوم 31 من تموز من عام 1951 يقول: «عدت لتوي من ألمانيا لن انسى ماريون أبداً.

وبعد استقصاء شديد استطعت التوصل الى هذه المرأة، كان الوصف الذي قدمته عن حبيبها السابق يتفق وشكل ديمتريو وأكثر من هذا، كان لديها ابن ثمرة علاقتها به، والذي ما ان رأيته حتى أصابني الذهول، فبالرغم من أنه ما زال صغيراً فان ملامحه قد ذكّرتني بملامح ديمتريو بجلاء.

عدت الى بلدي مشتت الذهن، ثم أدركت بعد مدة طويلة وبشيءٍ من الرهبة أنني أطأ منطقة محرمة ترتبط بهذه الظواهر الغريبة!!.

حتى انني قمت باستشارة أهل العلم في هذا الشأن، ولكنهم جميعاً تلقوا طلبي بالسخرية ورفضوا مراجعة أدلتي.. وقالوا ان المسألة تتعلق بأحد الأمرين: انه لا بد أنَّ أحدنا–الميت أو أنا–مجنون.

أما الأكثر تهذيباً فقد تحدثوا بصيغ مختلفة عن «شرود العقل» أو أنهم تواروا بجهلهم خلف كلمة «الصدفة».

عند ذلك ازدادت حيرتي.. كما ان النتائج التي أمكنني استخلاصها كانت قليلة.. فمن الواضح ان ديمتريو قد توفي في عام 1945 ولكن المؤكد ايضا انه في عام 1948 حضر مراسم دفن آرنستو بانكلوس, وأنه في العام 1949 كان بالمتحف الوطني بأوسلو، وفي عام 1951 تعرَّف على ماريون في فريمان ورزق منها بطفل.

لقد تم التحقق من كل ذلك بالفعل. ولكن هذا لا يعني بلا شك ان التواريخ المذكورة قد تصادفت مع التقويم الرسمي، فقد بدا لي التقويم الرسمي، بعد ما حدث، مقياساً اصطلاحياً للزمن، يصلح فقط كمرجع لأحداث عارضة.

استحقاق حوالات!! تواريخ قومية!! ولكن ذلك غير صالح بالمرة لقياس الزمن الداخلي لكل انسان, وهو الزمن الوحيد المهم قطعاً.

إن دوامنا الداخلي لا يمكن تعريفه ولا قياسه ولا تأجيله، ((فمن السهل ان نعيش اياما في دقائق والعكس دقائق في أسابيع))!.

فكما هو معلوم ان حالات ظواهر التنويم المغناطيسي «كثيرة» او حالات شدة الإثارة او النشوة التي يسببها الحب او الخوف او الموسيقى او الحمى او المخدر او التدين الشديد.

ولكن ما لا نستطيع إدراكه هو كيف ينتقل هذا الدوام الداخلي الى حيز الفعل!! وكيف يتوافق زمن كل فرد منا مع الزمن الشمسي!! ان التفكير في اكثر من شيء خلال الثانية الواحدة أمر معتاد.. ولكن الاكثر تعقيداً هو القيام بذلك في المدة نفسها.

فمن المؤكد ان ديمتريو فاجن قد قام بأشياء كثيرة خلال زمنه الشخصي، وهي أشياء لم تتم في الزمن الحقيقي إلا فيما بعد!!.

كما ان هناك أشياء كثيرة فعلها وما زالت لم تتحقق بعد، فنجده مثلاً يصف في العام 1954 رحلة الى الهيمالايا يفقد خلالها أذنه اليسرى نتيجة التجمد، او- دون أن نبتعد كثيراً- يشير الى (هذا اليوم) وهو العاشر من شباط من عام 1953 الى قيامه بزيارة لبيتي!!. وهو ما لم يحدث بالطبع لا في زمني ولا في الزمن الشمسي.

لكن اليوم هذا الذي نحن فيه الآن لم ينته بعد.. وكل شيء محتمل الحدوث.

فهو لم يحدد في يومياته الساعة، كما انها لم تُشر بعد الى الثانية عشرة ليلاً.. أو لعله قد أجّل الزيارة دون تدوين هذا في يومياته.

ما زالت هناك دقيقة باقية... أقر بالشعور بنفاد صبري بعض الشيء حتى أن ربع الساعة الشمسي الذي استغرقته كتابة هذه الصفحات قد بدا لي طويلاً بلا حدود.

ولكن لا يمكنني بالطبع ان أخطئ.. فأحد ما يصعد الدرج.. خطوات تقترب.. ساعتي تشير الى الثانية عشرة ليلاً.. طرقٌ على الباب.. انه ديمتريو، هنا!!!!!.

هذه القصة من تأليف: «خوليو ريبيرو» الذي وُلد في البيرو عام 1929هوأحد كُتاب أمريكا اللاتينية المشهورين, وتُعتبر قصصه في الأدب الأسباني من كلاسيكيات الأدب المعاصر.