أبواب - وليد سليمان

كم هي عدد المشاوير التي سرناها على أرصفة الشوارع في قاع المدينة.. فتلك المنطقة حضن عمان الدافئ بالذكريات والمسرات والمتع البريئة.. إنها آلاف المشاوير و«الكسدرات» منذ أيام الصبا وحتى الآن!.

كنا في المرحلة الثانوية ببداية السبعينيات تنهكنا الدراسة فنذهب كل عدة أيام مساءً في جولات قائلين لبعضنا بعضاً (يلَّا ننزل نكسدر في البلد).

فنهبط من جبال عمان الى شوارعها الشعبية الأليفة.. لنبدأ متعة المشي من شارع الملك فيصل حيث الأرصفة الفسيحة والأضواء المتلألئة للمحال التجارية.. وفي أكثر الأحيان نشتري الفستق السوداني من بسطة العم عمر أبو أحمد النيجيري الواقف دائماً عند مدخل سوق الذهب والصاغة.

شارع الملك الحسين

ثم نسير نحو سينما زهران في شارع الملك الحسين لنشاهد بعض ملصقات عروضها من الافلام المتنوعة, ثم نرجع قليلاً الى الوراء.. ربما لندخل مطعم القدس او جبري لأكل الكنافة او كشك الفقراء.. وبالقرب لا بد من الوقوف عند الواجهة الزجاجية لمكتبة المحتسب والمكتبة العربية لتفحص أغلفة الكتب المعروضة، ثم الفرجة على الملابس الحديثة في فترينات المحلات في نفس الشارع.

ونجتاز شارع الملك الحسين للرصيف المقابل لملاحظة النظارات الشمسية الحديثة عند اوبتكوس شامي, وبالقرب منه محل متميز لمسح الاحذية, حيث يجلس الشخص على كرسي ضخم أشبه بكرسي صالون الحلاقة, بينما العامل يلمع له الحذاء.. وإذا أراد تصليحه وتغيير رباط الحذاء مثلا فهذه الخدمة موجودة في نفس هذا المحل.

وقد نصعد الى مقهى السنترال الشهير.. إذ كانت إحدى قاعاته مكشوفة مع معرش ضخم من القش والقصيب، وهذه القاعة كانت من اشهر قاعات المقاهي التي تطل على شارع فيصل, حيث كان يلتقي في تلك القاعة الهوائية الكثير من شباب عمان وطلاب الجامعات.

وعند النزول من المقهى نسير بعد منعطف قصير نحو مكتبة عزيزية للقرطاسية ومعلبات الافراح وبجانبها مدخل مطعم هاشم الشهير للفول والحمص.. وعند أول مدخل هذا المطعم كان يستهوينا الوقوف عند مكتبة جبل طارق الصغيرة والتي كانت متخصصة بعرض وبيع المجلات والصحف الأجنبية.. وبالقرب كانت وما زالت محلات «الآغا» لرثي الملابس.

بعدها نسير على الرصيف المحاذي لمبنى البريد القديم, إذ كانت من حوله محلات شهيرة لبيع الطوابع لهواة اقتنائها, وأحد هذه المحلات كان ضمن صالون حلاقة للرجال, اما المحل الآخر فكان عند اول طلوع سينما الخيام–موقف سرفيس اللويبدة الآن-, وكان هذا المحل صغيراً جداً لرجل كبير السن مهنته بيع الطوابع العربية والعالمية.

شارع الأمير محمد

نتجه نحو شارع الامير محمد الذي كانت فيه العديد من المكتبات التي تعرض القرطاسية والكتب والمجلات والجرائد المحلية والعربية والطوابع للهواة, وكان للبريد الأردني مبنيان: القديم في أول هذا الشارع, والأبعد قليلاً وهو مبنى البريد الحديث الآلي الذي عرفه الناس بخدماته الحديثة في ذلك الزمن القديم منذ الستينيات.. وفيه كان يتم إرسال البرقيات والتحدث بالتلفونات من خلال كابينات صغيرة منفصلة.

ومن أشهر الأماكن حول ومقابل مبنيي البريديْن كانت هناك المحلات الراقية والمتخصصة بعرض وبيع الملابس والاقمشة الفاخرة والستائر مثل: الصالون الاخضر, ونفرتيتي, وكليوباترا, وايزيس, ومحل عقروق للطرابيش الحمراء.. ثم مطاعم الأردن لآل جبري.

شارع الملك فيصل

ونرجع مرة أخرى لشارع فيصل لنسيرعلى الرصيف المقابل لمطعم هاشم.. حيث دخلة فؤاد لشراء سندويشات الفلافل مع السلطة بالطحينية فقط.. وقبل الدخول في هذه الدخلة كانت وما زالت أقدم مكتبة في عمان لبيع الكتب والصحف وهي مكتبة الملك طلال لصاحبها البسطامي.. وفي دخلة أخرى تواجد منذ فرن من أقدم أفران عمان وهو مخبز الكويت الذي تفوح من أجوائه رائحة الارغفة الشهية الطازجة.

وكنا نشاهد في نفس الدخلة مقهىً صغيراً كأنه في تسوية تحت الارض! نلاحظه من نافذته العلوية ورواد المقهى يجلسون على كراسي صغيرة مصنوعة من جدائل القش القديم, وتلك المقاهي الشعبية الصغيرة والمنزوية في دخلات وسط البلد في عمان عادةً ما يُطلق عليها تسمية » مقهى خبيني».

اما في دخلة أخرى ثالثة وواسعة وهي ما عُرف بتسميتها بدخلة سينما عمان فقد كنا نعبرها أحياناً لمشاهدة صور وأفيشات أفلام سينما عمان..وبجانبها محل واسع للعب البلياردو, ثم محل حلويات شهرزاد الشهير بكنافته الطازجة وزبائنه الكُثر.. ومن جانبه وفي مدخل درج كانت وما زالت كفتيريا «ساندويشات ابو عيسى» للكبدة والطحل والنخاعات.

نخرج من هذه الدخلة لنتابع الفرجة على محلات بيع الملابس الرجالية التي اشتهر بها شارع فيصل منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى الآن.. وعند تجاوزنا لمخفر المدينة- أصبح مقهى الآن- فان الصعود الى مقهى العاصمة -الذي تمت إزالته منذ التسعينيات – فالجلوس فيه متعة جميلة لسببين: إما للعب ورق الشدة داخل صالة المقهى, أو للجلوس على بلكوناته العديدة المشرفة على وسط شارع فيصل وعلى البنك العربي وعلى كشك بائع الكتب المعروف «حسن ابو علي».

في شارع الملك طلال

وفي أيام أخرى قديمة كنا نذهب نحن الأصدقاء للتمشي في شارعي الملك طلال وشارع الهاشمي.. حيث يبدأ شارع الملك طلال من عند الجامع الحسيني لينتهي عند أول شارع المهاجرين.. وفي هذا الشارع الشعبي كانت تشدنا مناظر الجرار الزجاجية الضخمة والندية بعصائرها من الليمون والخروب والتمر هندي والسوس لنشرب بعض الكؤوس وبالذات صيفاً.

ونستمر بالمشي نتحدث ونتسامر ونتمازح بأدب.. فنمر من أمام بابي سوق البخارية وسوق البلابسة.. ثم من أمام دخلة عجاج حيث بائع الهريسة الليلي مع «لوكسه» المضاء لشراء ألذ هريسة باللوز والسمن البلقاوي.. وأحياناً نتوقف عند محمص الحموي لشراء التسالي من بزر البطيخ المحمص الطازج.

وهكذا نذهب شرقاً الى شارع الملك طلال حتى الوصول الى محلات بيع الاسلحة وبائع الساندويش جبَّرالله الذي كان محله صغيراً جدًا ويعمل ليلاً, وكانت ساندويشاته بالفلافل الساخنة والبندورة فقط من أشهى ساندويشات عمان قديما في الستينيات.

نجتاز شارع طلال الى الرصيف المقابل للعودة مرة اخرى نحو عمق منتصفة.. إذ تتواجد هناك سينما دنيا الشعبية الشهيرة قديماً لنشاهد صور وملصقات أفلامها المعروضة.

ومن جانبيْ مدخل السينما كانت محلات خاصة لتصنيع سخانات وأباريق الماء, وكوانين الفحم, وصوبات الحطب والسولار,ثم سوق الخضار القديم, وكذلك محلات تنجيد الفرشات واللحف والمخدات بالقطن والصوف, ومحلات تصنيع ملابس ومفروشات الفرو, وباعة أدوات الخيول والأسرجة, ومحلات الحلويات الشعبية, ومتاجر الأقمشة الفلاحية والبدوية من أثواب وكوفيات, وباعة الأرصفة للدجاج والحمام والبيض البلدي, ومحلات ومتاجر أخرى كثيرة لبيع التحف الشرقية, ومواد العطارة المتنوعة.

شارع الهاشمي

وبعد ذلك كانت أقدامنا تتجه بنا نحو شارع الهاشمي الجميل بفنادقه الشعبية وبمحلاته ودكاكينه القديمة مثل: بقالة فريز وكنافة حبيبة وسكاكر هيكل للأفراح, ومبيض النحاس على أول الدرج الصاعد لحي الشابسوغ, ومكتبة الشباب العريقة التي تصدر سنوياً «التقويم الهاشمي», ومكتبة النجاح, ثم المطاعم الشعبية الخاصة بالفول والحمص مثل مطعم الامانة ومطعم باطا, ثم مكتبة أمانة عمان الكبرى التي تقع بجانب المدرج الروماني الشهير.

وقد نستمر بالسير في طول شارع الهاشمي حتى نهايته حيث نجد هناك مباني: فندق فيلادلفيا الشهير قديماً حيث كان منذ الثلاثينيات أفخم فندق في عمان, ثم مقر رئاسة وكالة الغوث الدولية, ومكاتب شركة الكهرباء الأردنية, والجسر الفخم بأقواس مدخله ومخرجه وهو جسر رغدان لعبور السيارات, حيث كان يجري من تحته سيل عمان الكبير قديماً.