من الغريب ان توصف وزارة ما بأنها أقل حظّأ فذاك وصف تعودناه للافراد أو لبعض شرائح المجتمع من الضعفاء أو المهمشين، والأغرب أن بعض المسؤولين يطلقونه على وزاراتهم اذا ما بدت مخصصاتها في الميزانية اقل مما تستحق.. في نظرهم! وهو فهم سطحي خاطئ يدل على انهم لم يعجموا عود الدولة وسياساتها.. فلو تجاوزنا مثلا وزارة الزراعة التي ابتليت بسرعة تغيير وزرائها وتضاؤل نصيبها من الميزانية العامة بعد انشاء سلطة قناة الغور الشرقية حسب اتفاقية جونستون لتقسيم المياه في المنطقة وحتى ندرك ما وراء الأكمة علينا ان نتحدث عن وزارة أخرى وُصفت بالاقل حظاً هي «الصحة» التي تأخّر تاريخ ظهورها الرسمي حتى عام 1950 بعد ان كانت احدى مديريات وزارة الداخلية، وبدأت بميزانية ضعيفه، لذلك بقيت من دون اي مستشفى حقيقي حتى في العاصمة إلى ان تمكنت عام 1956 من تجهيز المستشفى الجراحي في الاشرفية لمواجهة حالة الطوارئ اثر العدوان الثلاثي على مصر! أما المستشفيات التي انشأتها بشق الأنفس على مدى العقود التالية فقد ضُم كثير منها لمؤسسات صحية اخرى كمستشفى الاميرة هيا (العقبة) ومستشفى عمان الكبير (الجامعة) ومستشفى الملك عبدالله المؤسس ومستشفى الامير زيد (الطفيلة) أو ليدار كمؤسسة مستقلة كمستشفى الامير حمزه في عمان!

ثم جاءت الضربة الكبرى لوزارة الصحة عام 1987 بتجريدها من جميع مستشفياتها وقد كاد ذلك ان يدمّر مجمل النظام الصحي الذي أرست قواعده على مدى العقود الماضية عندما تم انشاء المؤسسة الطبية العلاجية بميزانية اولية بلغت ثلاثة اضعاف ميزانية الوزارة، و ادى ذلك الى نقمة عامة وانتقادات واسعة حملت مجلس النواب الحادي عشر على الغائها عام 1990 بعد نقاش ديمقراطي مفتوح شارك فيه الرأي العام، وعلى اثر ذلك وبسبب التركة الادارية الثقيلة والمصاعب المالية الكبيرة التي خلفتها المؤسسة وما رافقها من فساد، وبسبب سياسة التعاقدات المكلفة لمعالجة المرضى في القطاع الخاص بمئات الملايين واخيراً بسبب انفلات الانفاق على الادوية والتجهيزات الطبية لصالح فئات اقتصادية معينة حتى بلغ لاول مرة في تاريخ اي وزارة صحة في العالم نسبة 30% من ميزانيتها اضطرت الدولة ان ترفع مخصصاتها تباعا حتى وصلت في السنوات الاخيرة لما يقرب المليار دينار بعد ان كانت عند انشاء المؤسسة 32 مليوناً فقط لا غير!

وبعد.. فليس في حكومات العالم وزارات أقل حظاً وأخرى اكثر حظوةً ناهيك عن ثالثةٍ لا ضرورة لها اصلاً بل هناك اسباب ينبغي تقصيّها لمعرفة الحقيقة وتصويب الخلل سواء كان سهوا او مقصودا..!