أبواب -شذى مبيضين - باحثة في علم النفس



«ابتلعني أسدٌ كبير، لكنني استطعتُ هزيمته وخرجت من فمه...» روى هذه الحكاية طفل يبلغ من العمر خمس سنواتٍ باندماجٍ وحماس شديدين، وباستغراب وتعجب من قبل أقرانه. وكان أخبرَ أمه بأنه تحوّل إلى «باتمان» في الليلة الماضية.. وما لبثت أن امتدحته ضاحكة.

وطُلِب من طفلٍ يبلغ من العمر تسع سنوات بأن يكتب مجموعة الصفات التي يراها في نفسه، ومن بين تلك الصفات كَتَب الطفل صفة «كاذب» إذ كان دائماً ما ينكر فعلته لتجنب العقاب، ويسمعُ الآخرين ينعتونه بالكاذب.

الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة قد يروُون حكايات من نسج خيالهم بقصد التمييز ما بين الحقيقة والخيال، ويعد ذلك مؤشراً لنمو وتطور الطفل. وفي تلك المرحلة يظهر دور الوالدين بكيفية التعامل مع كذب طفلهم، ومن دون قصد هناك من يسهمون باستمرار أطفالهم بالكذب ليصبح عادة سيئة ومشكلة قد تذهب معهم لما بعد الطفولة.

عندما يروي الطفل قصة غير واقعية علينا ان نُظهر له بأن القصة لا تصدق بتوجيه بعض الأسئلة التي يدرك من خلالها تورطه في الحديث وأنه قد بالغ في الوصف، مع إظهار تجاوبنا في كل مرة يقول فيها الحقيقة وعدم المبالغة في ردة الفعل فهي مجرد تمني.

ومن الضروري مساعدة الطفل على التمييز بين الواقع والخيال حيث نوضح عند سرد القصة أنها خيالية أو واقعية وعندما يروي الطفل قصته الخيالية نقوم بالتوضيح أنها قصة خيالية رائعة ومن ثم سؤاله عن القصة الحقيقية.

ويعد قلب الحقيقة البسيط أحد أشكال الكذب عند الأطفال كقول الطفل بأنه قام بإنجاز مهامه وهو لم يفعل، وأشكال أخرى كالمبالغة في الوصف، واختلاق القصة برواية تفاصيل لم يقم بها، أو أن يروي قصة بعضها صحيح وبعضها مختلق، أو أن يتهم طفلاً آخر بفعلة هو من قام بها.

غالبا يمتلك الأطفال سبباً للكذب، فالطفل عند سماعه بأن من حوله ينعتونه بالكاذب قد تتكوَن لديه تلك الصورة عن ذاته فيستمر بالكذب، كذلك سؤاله بطريقة الاتهام وعدم الثقة به وعدم تصديقه عند قول الحقيقة يدفعه إلى الاستمرار بالكذب في مواقف أخرى.

والطفل يكذب أحيانا من أجل حصوله على الثناء، وفي هذه الحالة يُفضَل الإكثار من الثناء عليه عند قيامه بسلوك إيجابي. وتوفير نموذج يخلو من الكذب إذا كان يقلد الكبار، ومحاولة التزام الهدوء لكي لا يكذب الطفل خوفاً، فالتوبيخ واستخدام الصراخ قد يعزز الكذب عنده، وإذا كان يكذب لتحقيق المكاسب فلابد من تعليمه أساليب أخرى غير الكذب لامتلاك ما يريد.

بالإضافة إلى تعليمه بعض القيم الأخلاقية التي تساعده على تجنب سلوكات مؤذية إذا كان كذبه بغرض الإساءة للآخرين، وعدم إعطائه الفرصة للكذب بطرح أسئلة يعرف ولي الأمر إجابتها مسبقا، كالقول «من أحدث الفوضى؟» وبدلا من ذلك «أعلم بأنك أحدثت هذه الفوضى لذا عليك ترتيب المكان فور انتهائك من اللعب».

وبعض الأطفال يلجأون إلى الكذب بغرض الدفاع عن الآخرين وحمايتهم لذلك من الضروري مساعدة الطفل على رؤية بعض الحقائق المهمة، كذلك وضع برنامج إرشادي عند ظهور سلوكات عدوانية والتي هي أحد أسباب الكذب عند بعض الأطفال.

ومن الأساليب الأخرى المتبعة تشجيع الطفل على قول الحقيقة من خلال إظهار تعاونك معه لحل مشكلته إذا كان صادقا معك، وفي بعض الحالات التي يكذب فيها الطفل لإخفاء تصرف سيء يطبق عليه العقاب المزدوج بخسارته نوعين من الامتيازات بسبب الكذب والتصرف السيء، وهنا يتضح للطفل أن عدم قول الحقيقة سوف يزيد الأمر سوءاً ولن يحل المشكلة.

ولابد من مساعدة الأبناء على رؤية الحقائق كما هي، فخداع الوالدين أبناءهم في بعض المواقف البسيطة يعني التخلي عن إرشادهم وتوجيههم ومساعدتهم، كالقول للأبناء أن الإبرة لا تؤلم أبداً وبدلا من ذلك عليهم القول إن الإبرة سوف تؤلم قليلا وقد لا تشعر بها، أو قول أحدهما سيأخذك الشرطي إن لم تهدأ والتي فيها هروبٌ من المسؤولية تجاه الأبناء.

ويُضاف إلى ذلك تعليمُ الطفل قيمة الصدق وأهميته وبناء الثقة والاحترام مع الآخرين، وسرد بعض القصص التي توضح مفهوم الصدق وأهميته ومآل الكاذب. وفي الوقت نفسه تعليمه الاستجابة المناسبة في المواقف الاجتماعية واحترام ومراعاة مشاعر الآخرين.