عمان - ناجح حسن



تطرح السينما الكازاخستانية الآخذة في النمو والانتشار الكثير من الموضوعات ذات الأسئلة البليغة التي تدور غالبا حول قضايا العيش اليومي في فترة زمنية خصبة بالرؤى الفكرية والثقافية والإجتماعية والسياسية مزنرة بجماليات سمعية وبصرية آسرة.

وتعرض الهيئة الملكية الأردنية للأفلام بالتعاون مع سفارة جمهورية كازاخستان، نماذج بديعة من هذه السينما المجهولة، وذلك ضمن فعاليات (أيام الفيلم الكازاخستاني) يومي الإثنين والثلاثاء من هذا الأسبوع الساعة السابعة والنصف مساء في مقر الهيئة بجبل عمان القديم.

وتستهل الإحتفالية بالفيلم الروائي الطويل «آمريه» أو «أغنية باريس» للمخرج جيف فيسيا، وفيه يتتبع، جوانب من السيرة الذاتية في حياة مغني كازاخستاني عندما غادر بلدته البسيطة الى باريس للتنافس في مسابقة غناء دولية في معرض المدينة إبان العام 1925، وهناك خلال رحلته يتعرف على كاتب أغان أميركي ويكوّن معه صداقة جميلة واستثنائية.

ويكشف الفيلم الفائز بالعديد من الجوائز منها: جائزة لجنة التحكيم الكبرى العالمية لأفضل فيلم وجائزة الشاشة الفضية في مهرجان هوليوود السينمائي وأفضل فيلم روائي وأفضل ممثل في مهرجان ريتشموند السينمائي الدولي، عما أضافته هذه الرحلة للمغني الكازاخستاني من حياة مشرقة، لكنها كانت قصيرة ومبهمة وغامضة، خاصة وهو أول من عرّف قدم لعشاق الموسيقى في أوروبا بألوان من الموسيقى والغناء في وطنه وما يتمتع به من أداء صوتي وعازف على آلة الدومبرا الموسيقية السائدة في بيئته.

ويستيعد الفيلم الروائي الطويل المعنون «الطريق الى أمي» في مشهدية ملحمية للمخرج آكان ساتاييف، مناخات الحرب العالمية الثانية،على مدى تسعة عقود من ثلاثينيات القرن العشرين الى يومنا الحاضر.

يعاين الفيلم احوال تحولات أفراد وجماعات في حياة أسرة كازاخستانية خلال فترة الحرب وما انطوت عليه من مآسي ومجاعات وانفصال وتصميمهم على البقاء والصمود والتضامن.

تدور حكاية الفيلم حول فتى ينفصل عن والدته جرّاء الحرب ويواجه تجارب مروعة منذ الطفولة وصولا الى مرحلة الكبر، يتحلّى فيها بالتحدي والثبات والتفاني والشجاعة رغم ما مواجهه من صنوف القسوة والمعاناة والتي كاد ان يفقد فيها حياته، الاّ انه ظل متمسكا بالأمل في لقاء والدته ولمّ شمل أسرته.

اختير الفيلم لتمثيل جمهورية كازاخستان في فئة أفضل فيلم بلغة أجنبية في حفل جوائز الأوسكار وفاز بالجائزة الوطنية لأفضل فيلم في آسيا الوسطى.

ينسج فيلما الإحتفالية من التاريخ والواقع المعاصر إبداعات جمالية ودرامية وملحمية، تمتليء بالأحاسيس والعواطف النبيلة رغم مآزق الخوف والإحباط، فضلا عن تجوالها في نقل المعالم والملامح الخاصّـة التي تظهر محطات في تاريخ وثقافة هذا البلد، وانغماسها في الجانب التاريخي الذي يرصد تحولات وسمات المجتمع وأيضا قدرتها على تجسيد محطات في مسيرة الفيلم الكازاخستاني الذي حافظ على هويته إبان حقبة الاتحاد السوفييتي السابق من ناحية التصاقه بألوان من الفنون الشعبية والقصص والحكايات التي تشير إلى خصوصية هوية كازاخستان الحضارية.

يغلب على فيلمي الإحتفالية، تلك الإحاطة بأحداث التاريخ البعيد والقريب وتوظيفه دراميا بأجواء مشبعة بفضاءات الطبيعة المكونة من سهول وجبال ووديان إضافة إلى تلك الديكورات والإكسسوارات ومجاميع الممثلين وهم في أزياء أكثر من حقبة زمنية متفاوتة.

استقبلت نتاجات السينما الكازاخستانية بحفاوة نقدية من قبل الملتقيات والنقاد في أرجاء العالم وذلك لتنوع وغزارة أعمالها المفعمة برؤى وأساليب جمالية ودرامية لافتة بحيث حققت حضورا في العديد من المهرجانات العالمية من بينها مهرجان (كان) السينمائي الدولي الشهير.

عرفت أفلام كازاخستان بقدرات صانعيها من المخرجين والمنتجين الذين تمكنوا جراء حرفيتهم في الوقوف ندا لزملائهم في اشهر السينمات العالمية، ورحب النقاد العرب بأفلام كازاخستان للتماثل الثقافي في البيئة العربية وتركيز اغلب نتاجاتها على مواضيع مستمدة عن حيوات شخصيات تحمل بصمتها الخاصة في الموروث العربي.

تشكلت السينما الكازاخستانية من أفلام الدراما والتشويق والإثارة التاريخية الملحمية تاريخية أخرج أحدثها سيرجو بوردوف الذي يصور أحداثا جرت في نهاية القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر عن الاستبسال في الحروب الطويلة والطاحنة لأجل تأسيس دولة كازاخستان ومثل الفيلم كازاخستان لأول مرة في جوائز الأوسكار عن فئة الأفلام الأجنبية.

وشاركت الأفلام الكازاخستانية داخل مهرجانات عالمية أفردت لمخرجيها مساحات من التكريم والاحتفاء لامتلاكهم براعة الإخراج وفي رفد السينما العالمية بصنوف جديدة من التفكير البصري الخلاّق، مثلما سعت كازاخستان إلى تنظيم وإحياء المهرجانات السينمائية بغية إيجاد موقع للفيلم الكازاخستاني على خريطة السينما العالمية، وعملت أيضا على تشجيع الإنتاج المحلي والانتاجات المشتركة مع العديد من البلدان الأوروبية والأسيوية.