زياد الرفاتي

طالعتنا وسائل الاعلام مؤخرا حول بيانات مفادها بأن الأردنيين يحتفظون بودائع تقدر بنحو 40 مليار دينار على الأقل لدى البنوك, وأن الطاقم الاقتصادي الحكومي يبحث عن طريقة لاقناع المواطنين الأردنيين بسحب وتحريك ولو ربع ودائعهم المودعة لدى البنوك دون حركة ووضعها في الأسواق لتحريك الاقتصاد المحلي .

وفي هذا السياق, نود فيما يلي توضيح بعض الحقائق والمعطيات حول هذا الموضوع:-

1 - أظهرت البيانات الرسمية الصادرة عن البنك المركزي الأردني حتى نهاية شهر أيار للعام 2019 أن رصيد ودائع العملاء لدى البنوك المحلية بلغ 34,040 مليار دينار , موزعة حسب الجهة المودعة وكما في الجدول رقم 1.

أي أن ودائع القطاع الخاص بشقيه المقيم وغير المقيم تشكل ما نسبته 91% من مجموع ودائع العملاء , أما ودائع المؤسسات العامة والحكومة المركزية فتشكل 8%, وودائع المؤسسات المالية غير المصرفية 1%. .

وتستحوذ الودائع بالدينار الأردني على الجزء الأكبر منها حيث بلغت 25,935 مليار دينار أي ما نسبته 76%, أما الودائع بالعملات الأجنبية مقومة بالدينار فبلغت 8,105 مليار دينار وبنسبة 24%.

أما من حيث نوع الوديعة , فتوزيعها كما في الجدول رقم 2.

أي أن الودائع المستقرة ( لأجل والتوفير) تشكلان 73% من مجموع الودائع , بينما تشكل الحسابات الجارية والتي طبيعتها تتصف بالحركة وعدم الاستقرار في رصيدها ما نسبته 27%

2 - وفي المقابل, في جانب التسهيلات الائتمانية المباشرة التي يتم فيها توظيف الودائع , فقد أظهرت البيانات الرسمية في نهاية شهر أيار أيضا أن الرصيد القائم لتلك التسهيلات قد بلغ 26,730 مليار دينار , وفيما يلي توزيعا لها حسب الجهة المقترضة كما في الجدول رقم 3.

وقد شملت تلك التسهيلات القطاعات الاقتصادية التالية مرتبة تنازليا كما في الجدول رقم 4.

أي أن خمسة قطاعات من أصل عشرة قطاعات استحوذت على ما مجموعه 90% من التسهيلات القائمة، وهي على التوالي الانشاءات، التجزئة، التجارة العامة، الخدمات، والصناعة. كما أن مديونية التجزئة تشكل خمس التسهيلات الائتمانية وهي نسبة مرتفعة وتجدر دراستها والتوقف عندها وتعكس لجوء الأفراد الى هذا الخيار لتلبية حاجاتهم ومتطلباتهم بمختلف أنواعها.

أما الخمسة الأخرى فقد كان نصيبها مجتمعة 10% فقط، رغم أهمية هذه القطاعات في الاقتصاد الوطني ولا سيما قطاعي السياحة والزراعة اللذان يحتاجان الى توفير التمويل اللازم للنهوض بهما وبشروط ميسرة لزيادة مساهتهما في الناتج المحلي الاجمالي والنمو الاقتصادي.

وقد شكلت القروض لتلك القطاعات ما نسبته 86% من مجموع التسهيلات، والجاري مدين 13%، والكمبيالات المخصومة 1%. وبلغ معدل النمو في التسهيلات لكامل عام 2018 مقارنة مع عام 2017 ما نسبته 5,3% وفاق معدل النمو في الودائع البالغ 2%

3- وحيث أن رصيد التسهيلات الائتمانية المباشرة يبلغ 26,730 مليار دينار ورصيد الودائع 34,040 مليار دينار، فان نسبة الائتمان الى الودائع تبلغ 78%، أي أن 78% من ودائع العملاء مستغلة في الائتمان من قبل البنوك، باعتبار الودائع في جانب المطلوبات لميزانيات البنوك هي مصدر الأموال الأساسي لها في الاقراض وتقوم بتوظيفها في الأوجه المختلفة في جانب الموجودات ومنها التسهيلات الائتمانية والاستثمار في السندات التي تمثل الأصول ذات العائد الثابت.

وفي حال اللجوء الى سحب المبلغ المفترض وهو 10 مليارات دينار من الودائع، فان هذا المبلغ لضخامته لا يمثل سيولة جاهزة لدى البنوك للايفاء بها فورا، وقد تحتاج الى تسييل جزء من موجوداتها في سبيل تلبية ذلك وهو ما يعرف بمفهوم مخاطر السيولة, وهذ التسييل متعذر من الناحية العملية كون النقد مستثمرا بشكل رئيسي في التسهيلات الائتمانية والسندات ومتفق على سدادها مع المقترضين وفق جداول سداد مبرمجة مسبقا في الأقساط والتوقيت.

وحتى ولو عملنا بفرضية توفر المبلغ المقترح سحبه، فان صاحب الوديعة سيقوم بدفع المبلغ لشراء أرض أو معدات لمشروع استثماري أو الدخول في استثمار وهذا المبلغ سيتم اعادة ايداعه في البنك من الطرف الاخر مرة أخرى، أو التحويل من حساب الى حساب دون وجود ضخ للنقد في السوق، وبالتالي فان حجم النقد الفعلي أقل من قيمة الودائع وهذا أمر طبيعي.

وهنا يطرح تساؤل عن ماهية الاستثمارات التي سيتوجه لها المودع بديلا عن الاستثمار في الوديعة البنكية والعائد المتوقع مع اقترانه بمخاطر مقارنة مع عائد الوديعة بمخاطر شبه معدومة وخاصة لصغار المودعين وأصحاب الودائع الادخارية الذين يعتمدون على عوائدها في تلبية احتياجاتهم الحياتية.

كما أن أي استثمار يحتاج الى رأس مال وتمويل بنكي أحيانا، والسؤال هنا ما هو معدل العائد الداخلي الناتج عن الاستثمار الذي سيغطي كلف الاقتراض المرتفعة.

أما رأس مال البنك، فان استخداماته الأساسية تتمثل في مواجهة المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها وتعزيز الملاءة المالية له، ولا يعتبر مصدرا للاقراض.

وتستطيع البنوك بحد أقصى أن توظف في جانب الموجودات ثمانية أضعاف رأسمالها واحتياطياتها وهو ما يعرف بنسبة كفاية رأس المال وتقيس مدى الملاءة المالية للبنك وقدرته على مواجهة المخاطر وهي حاصل قسمة رأس المال التنظيمي على الموجودات المرجحة بالمخاطر، وبحيث لا تقل النسبة عن 12% حسب متطلبات البنك المركزي الأردني، ومع اضافة الهامش التحفظي يرتفع الحد الأدنى الى 14%.

وقد بلغت نسبة كفاية رأس المال للجهاز المصرفي في الأردن 16,94% في نهاية عام 2018 مقارنة مع 17,8% في نهاية عام 2017 ومع 18,5% في نهاية عام 2016، وتراوحت ما بين 17% - 21% خلال الأعوام من 2007- 2018.

4- يظهر مما تقدم، أن الجزء المقرض من البنوك للحكومة المركزية والمؤسسات العامة على شكل تسهيلات ائتمانية مباشرة بلغ 2,403 مليار دينار وبنسبة 9% من ودائع العملاء، عدا عن قيام البنوك بالاقراض لها أيضا على شكل الاكتتاب في السندات والتي يطرحها البنك المركزي نيابة عن الحكومة، وتعامل بشكل منفصل عن التسهيلات الائتمانية المباشرة.

وقد أظهرت البيانات الرسمية، أن اجمالي الدين العام الداخلي على الحكومة المركزية في نهاية شهر أيار لعام 2019 بلغ 17,055 مليار دينار وهذا يشمل جميع أنواع الديون الداخلية المقترضة محليا سواء كانت تسهيلات ائتمانية أوسندات ، وعند استثناء حصة صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي من المبلغ أعلاه والذي يقارب 5,5 مليار دينار باعتباره أحد المقرضين المحليين للحكومة ويشكل نصف موجودات الصندوق، فان حصة البنوك من الاقراض للحكومة بمفردها تصل الى 11,5 مليار دينار(2,4 مليار دينار تسهيلات و9,1 مليار دينار سندات) وتشكل 33% من رصيد ودائع العملاء أي ثلثها.

وفي حال اضافة اقراض البنوك للحكومة من السندات الى جانب التسهيلات الائتمانية المباشرة المقرضة اليها والى جانب التسهيلات الائتمانية المقرضة للقطاعات الاقتصادية الأخرى، فان نسبة الاقراض الكلية من التسهيلات والسندات الى الودائع تقفز عن 100%، أي أن البنوك أقرضت كامل رصيد الودائع وتجاوزته.

5 – ان زيادة نسبة النمو الاقتصادي وتحريك النشاط يمكن احداثه من خلال النظر الى القطاعات الاقتصادية بشكل شمولي ومتكامل، والوقوف على الأسباب والعوامل التي تقف عائقا في سبيل ذلك، ووضع الحلول الجذرية بالتشارك مع المستثمرين في هذه القطاعات حتى وان كانت مكلفة ، وتوفر الارادة لتنفيذها على أرض الواقع ولو تدريجيا على مراحل والابتعاد عن الحلول المؤقتة التي ثبت عدم ديمومتها وجدواها، واعادة النظر بنسب ضريبة المبيعات لتحريك الأسواق وزيادة الحركة التجارية والقوة الشرائية للمواطنين بما ينعكس ايجابا في الطلب على السلع والخدمات والحد من اللجوء الى التهرب الضريبي بغرس قيم الالتزام والثقة وبما يحقق المصلحة المشتركة للجميع سواء كان صانعا أو تاجرا أو مستهلكا أو الخزينة العامة من خلال تدفق ايرادات منتظمة اليها وقابلة للقياس بشكل دقيق، والنظر الى الأبعاد التنموية في الفكر الاقتصادي لضريبة الدخل باعتبارها أداة مهمة من أدوات التنمية المستدامة في خلق النمو الاقتصادي واستقراره وديمومته واعادة توزيع الثروات بين أفراد المجتمع بحيث تؤخذ من الأغنياء وتعطى للفقراء على شكل خدمات بمختلف أنواعها وخصوصا الصحة والتعليم ، ولا ينظر اليها نظرة انية في سبيل حلول مؤقتة لا يظهر أثرها ولا تلبث أن تزول سريعا دون أن تترك أثرا على المدى الطويل.

وكذلك تخفيض أسعار الفوائد على القروض بشكل مجز وملموس الذي يعد مطلبا رئيسيا لمختلف القطاعات الاقتصادية وقطاع الأفراد وخصوصا في أوقات الركود بالتعامل معه من خلال ذلك لزيادة حجم الاستثمار وتحريك النشاط الاقتصادي، وقد كان التخفبض الأخير الذي قرره البنك المركزي الأردني بتاريخ 4/8/2019 على سعر فائدة اعادة الخصم بواقع ربع نقطة مئوية يمثابة أول تخفيض منذ ثلاث سنوات وكان الحاقا بقرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بالتخفيض بنفس النسبة وبنفس التوقيت رغم الظروف الاقتصادية المحلية الصعبة والأصوات التي كانت تطالب خلال تلك السنوات بالتخفيض التي شهدت رفعا رغم التباين والاختلاف في الوضع بين الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد الأردني ومستويات الدخل، وانعكس ذلك بقيام البنوك بعكس الرفع على المقترضين القائمين قبل اتخاذ قرارات الرفع والجدد و زاد من أعباء كلف الاقتراض لديهم، مما يستوجب على البنوك عكس التخفيض على جميع المقترضين أسوة باجراء الرفع الذي كانت تقوم به، علما بأن مستويات أسعار الفائدة على القروض سواء لأغراض انتاجية أو استثمارية أو شخصية لا زالت مرتفعة وتحد من الاقبال والقدرة على الاقتراض.

ويستحضرنا هنا حديث رئيس مجلس ادارة أحد البنوك الأردنية وهو ذو باع طويل في العمل المصرفي، بأن رفع الفوائد في الأردن غير مرتبط بأداء الاقتصاد الوطني أو بنسبة التضخم، بل مرتبط بمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وعلاقة ارتباط الدينار بالدولار والذي يؤثر بشكل كبير على الدينار مع كل رفع.

6–على الرغم من ارتفاع حجم الصادرات التي تتطلب تحليل مكوناتها وقطاعاتها وارتفاع الدخل السياحي، الا أنهما وحدهما غير كافيين كمؤشرات للقياس بهما على تحسن الوضع الاقتصادي، ولا بد أن يلمس المستثمر والتاجر والمواطن والخزينة العامة من خلال نمو الايرادات ذلك التحسن ومن مختلف القطاعات المستثمر بها ودون قطاع على حساب قطاع اخر، وليس أدل على ذلك البيانات الرسمية التي صدرت مؤخرا حول تراجع الايرادات العامة للحكومة وبلوغ عجز الموازنة في نهاية الشهر الخامس الى 484 مليون دينار وارتفاع اجمالي الدين العام الداخلي والخارجي الى 29,264 مليار دينار حيث يشكل الدين الخارجي ما نسبته 42% بالرغم من تحسن المؤشرين أعلاه ورفع الدعم عن الخبز وفرض الضرائب على السيارات المستوردة التي هبطت ايرادات الخزينة منها بشكل كبير نتيجة لذلك وتأئر عمل القطاع بدلا من تشجيع الناس وحثهم للاقبال على اقتناء السيارات الأقل استهلاكا للبنزين والصديقة للبيئة وللحد من التلوث حيث تنهج الدول المتقدمة ذلك، وكذلك فرض الضرائب على التبغ والسجائر والمحروقات والرفع التدريجي لأسعارها وتطبيق قانون ضريبة الدخل الجديد منذ بداية العام الحالي بهدف ازالة التشوهات في الموازنة العامة وفقا للمبررات في ذلك.

7–ان بناء موازنة قوية ومتينة وايرادات مستدامة لا تتأئربالمتغيرات الانية وتحقيق نمو اقتصادي مستهدف يكمن بأن يكون اساسها قوة القطاعات الاقتصادية التي تشكل الاقتصاد الوطني، وعدم الركون في ذلك الى الخبز والأصوات التي تنادي برفعه والتبغ والسجائر والمحروقات التي تتطلب عدم الاعتماد عليها بشكل أساسي في تقدير الايرادات الحكومية، وقد أن الأوان وعلى ضوء النمط المتبع حاليا في اعداد الموازنة والمتغيرات والمستجدات أن يتم اعادة النظر في أسلوب ومنهجية وفرضيات اعداد الموازنة العامة وطريقة عرض البيانات والتحليلات واعداد ملخصات بها بما يسهل على مستخدميها فهمها، وعدم النظر الى الأمور نظرة محاسبية ورقمية بحتة والخروج من نطاقها لتتعدى الى النظرة الشمولية التكاملية للأبعاد الاقتصادية والتنموية والاجتماعية ، ولا بد من معالجة الاختلالات في هيكلية الموازنة العامة بوضع خطة تمتد من 3- 5 سنوات وعدم التردد في البدء بها لتضع حلولا جذرية ودائمة للمشكلات المزمنة للانتهاء منها.

وينسحب ذلك أيضا على جانب النفقات العامة، من خلال اعادة النظر في طريقة التقدير والفرضيات وترتيب الأولويات ورفع كفاءة الانفاق ومقابلة الانفاق بالمردود من خلال استخدام أسلوب الموازنة الموجهة بالنتائج والأهداف، أي أن يتم ربط الانفاق الرأسمالي المتوقع بالنتائج والأهداف المرجوة من الانفاق ومساهمته في تحقيق التنمية وحفز النمو الاقتصادي، وعدم الاقتراض لتغطية نفقات جارية واحتياجات قصيرة الأجل مما يخلق فجوة تمويلية زمنية بينهما وأسهم هذا الاجراء في وصول المديونية الى مستوياتها الحالية المقلقة ، وأن يوجه الاقتراض لتمويل مشاريع رأسمالية واستراتيجية بناء على دراسات جدوى التي تحدث التنمية وتحفز النمو الاقتصادي وتخلق فرص العمل وتسهم في التخفيف من البطالة، ودراسة أوضاع الوحدات الحكومية المستقلة والدمج فيما بين الوحدات ذات الطبيعة المتشابهة في الأعمال والمهام المناطة بها مع وزارات ودوائر حكومية قائمة تخفيفا من نفقاتها, وتعزيز التشاركية بين القطاع العام والقطاع الخاص وترك جزء من المشاريع للقطاع الخاص ليتولى تمويلها وقيادتها في اطار الشراكة الاستراتيجية وتخفيف الضغط عن موارد الموازنة العامة واستمرارالحوار والتواصل وتبادل الاراء والأفكار بينهما وعرض مشاريع القوانين على القطاع الخاص قبل رفعها الى السلطة التشريعية للحصول على التغذية الراجعة لها و لما فيه المصلحة العامة.

ان المطلب والهدف في النهاية، هو زيادة معدل النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل وتحقيق الاستقرار المالي القائم على الاستدامة المالية وتحقيق الاعتماد على الذات وتعزيز الانتاجية وتنافسية الاقتصاد الأردني والقدرة على التعامل مع الواقع الاقتصادي حسب ظروفه ومعطياته وليس رفع الدعم أو ايقاف أو الغاء مزايا وظيفية أو زيادة الضرائب بمختلف أشكالها ومسمياتها.

خبير مالي ومصرفي