عمان - سهير بشناق

لم يكن مشهد الطفلة فرح التي لم تعترف سوى بالمقطع الاول من اسمها وبأن عمرها سبعة اعوام سوى مشهدا مؤلما في ثالث ايام عيد الاضحى لمن يراها.

كغيرها من الاطفال كان قدرها ان تقضي ايامها في الشوارع اما متسولة او برفقة امها المتسولة فتلك طفولة تحيا بعيدا عن عالم الاطفال الحقيقي.

فرح التي ليس لإسمها نصيب من حياتها وايامها كانت برفقة والدتها تجلس في احدى شوارع الشميساني بجانب احدى المحلات التجارية تلهو مع شقيقها الاصغر عمرا تبتعد قليلا عن والدتها ثم تعود فهي لا تجيد بعد فنون واساليب التسول او لربما اخذتها طفولتها ورغبتها باللعب بالتمرد على اصرار والدتها على التسول واثارة شفقة الاخرين.

لم تكن فرح بتلك اللحظات تلهو ركضا او تلعب بدميتها الصغيرة لكنها كانت تمسك بيدها حجرا تضعه على اذنيها وتتعامل معه تماما كالهاتف النقال، تتكلم وتصرخ وتضحك احيانا.

لم تتوقف فرح عن استخدام هاتفها الحجري عندما يراها الناس بل تستمر بالحديث لترسم ملامح عالم اخر لا علاقة له بالتسول وهمومه.

تمسك فرح بيدها الحجر النقال معتبرة رنه هاتفاً حقيقياً لتحيا احلاما تتشابه مع احلام الاطفال آلاخرين بمثل عمرها.

تحلم ان تمتلك هاتفا نقالا وتحلم ان تحيا ايام العيد بملابس جديدة، وتحلم ان يكون لها مقعد بصف مدرسي، ان تحمل حقيبتها واقلامها، وتعانق شمس اول ايام العام الدراسي في ايلول القادم كالاشراقة الجميلة للاطفال بمدارسهم.

لكن احلامها تتبدد على يد والدتها التي لم تجد وسيلة آخرى لاسعادها سوى بالتسول وابقائها برفقتها في الشوارع حتى بايام العيد.

فرح التي اخبرتنا فقط عن اسمها لم تخجل من حجرها الذي تمسكه بيدها وتضعه على اذنيها بل كانت الابتسامة تعلو شفتيها وتستمر بمكالماتها.

فرح ليست اخر الاطفال الذين يدفعون ثمن طفولتهم على ارصفة الشوارع برفقة امهاتهم، فوزارة التنمية الاجتماعية تضبط سنويا 2500 متسول، ثلثهم من الاطفال، لكن فرح وغيرها ممن يقضون جل اوقاتهم برفقة امهاتهم قد لا يتسولون مباشرة بل يعيشون التسول بكل اساليبه وهم يلعبون تارة وينصاعون تارة آخرى لرغبة امهاتهم بالتسول من الاخرين لكنهم لا يزالون سن براءة الطفولة ويحلمون كغيرهم من الاطفال، لكن احلامهم لا تتحقق فيخترعون ما يقربهم من احلامهم ولو كان هاتفاً حجرياً ليقتربوا اكثر واكثر من امنياتهم،

حجر بحجم الهاتف النقال ادخل السعادة بنفس فرح ونقلها من واقع مؤلم تحياه الى عالم يستمد جماله وفرحه من تحقيق امنيات الاطفال التي يرونها بيد الاخرين ولا يملكونها.

لتبقي التساؤلات المشروعة حقا امام مشهد فرح بالعيد من يحاسب هؤلاء الامهات والاباء لإبقاء اطفالهم بالشوارع كمتسولين؟

والى متى ستبقى العقوبات بحقهم غير مفعلة على ارض الواقع ليس لتسولهم فحسب بل لاستغلالهم لطفولة ابنائهم وبناتهم وابقائهم بالشوارع؟

فرح لا تعترف بواقعها الذي تحياه اليوم وما استخدامها لذاك الحجر كهاتف نقال تلهو به سوى صورة مغايرة لواقع آخر يحياه اطفال اخرون لم يعد يعينهم الهاتف النقال كثيرا امام رغبتهم باقتناء احدث الهواتف النقالة واخر مستجدات عصر التكنولوجيا والحداثة، ليبقى حلمها يتجدد بنفسها وايامها رغم علمها انها لن تتمكن من اقتناء هاتف نقال حقيقي فبعض الاحلام مؤلمة وآخرى تتحقق لدى الكثيرين لتصبح لا قيمة لها بالحياة.