ثمّة حال غير مسبوقة من الضبابية والغموض, المحمولتان على سيناريوهات مُتعدِّدة تعيشها المنطقة العربية وامتداداتها الشرق الأوسطية (إيران، وباكستان، وخصوصاً أفغانستان), يصعب على كثيرين من الراسِخين في التخطيط و«التفكير» ودهاقنة الغرف السوداء والأجهزة الجَهنَّمِية التي يديرونها, التكهّن بسيرورتها أو الإطمئنان إلى نجاحات تًصيبها, في ظل السيولة المُطلَقة التي استقرّت عليها مَلفات وقضايا شائِكة، بعضها مُستمِر منذ عقود طوال كالقضية الفلسطينية (وكشمير ما دمنا نتحدث عن الشرق الأوسط «الكبير»), وغيرها مُستجِد ظن الذين افتعلوه ومنحوه أولوية على قضايا «قديمة», انهم بذلك يستطيعون «دفن» الماضي وإهالة التراب عليه, ثم التأسيس لمشهد مُختلِف بخرائط جديدة وتحالفات دراماتيكية لم يكن يتوقّعها احد حتى في أحلَك كَوابيسه.

لنخرج من حال التنظير والغموض الذي فرض نفسه على الأحداث الراهنة, إلى فضاء الإضاءة على بعضها.. سواء في ما خصّ القضية الفلسطينية والإحتمالات «المُتساوية» من التخلّي (نعم التخلّي) عن طرح «الشق» السياسي من صفقة القرن, بعد ان بدا «بعض» أركان إدارة ترمب على يقين بأن حظوظها من النجاح تكاد تقترب من الصفر (رغم كل ما يُقال ويُبثّ ويُروّج له) وخصوصاً ما يجري تسريبه لرصد ردود الأفعال لدى الأطراف ذات الصِلة، أم في ما خصّ مآلات الأزمة السوريّة التي تدخل فصلاً جديداً من فصولها المتمادِية, ليس فقط في ما خصّ تداعيات تحرير خان شيخون ومحاصرة «مدينة» إدلب، وإنما أيضاً في مَشهد إقامة «المنطِقة الآمنة» التي «اتفق» الجانبان الأميركي والتركي على إقامتها في الأراضي السوريّة, دون أي اهتمام برأي الجانب السوري «صاحب الأرض», ولا حتى بـ«الحليف» الكردي السوري للقوات الأميركية الغازية. التي بدت – حتى الآن – وكأنها تفضل الإبقاء على علاقتها مع الحليف الأطلسي التُركي وعدم التضحية بعلاقاتها «التاريخية» معه, من أجل عيون ميليشيات لا رهان ثابتاً على ديمومتها أو استمرارها على القوة المُبالَغ فيها, والتي هي عليها الآن بفضل الدعم الأميركي حصرياً.

وإذا كانت قمّة أنقرة المُنتظرَة أوائل أيلول الوشيك لثلاثي مسار استانا, قد تكون «ضحية» الإتفاق التركي الأميركي, وبخاصة بعد «تحذير» موسكو اللافِت من مَغبّة «فصل» شمال شرق سوريا, وتعبيرها عن «القلق» من استمرار محاولات كهذه, في إشارة إلى اتفاق أنقرة وواشنطن، فإن تطورات الأوضاع المُتلاحِقة في جنوب اليمن, فضلاً عن التوتر الشديد الذي باتت عليه العلاقات الباكستانية ــ الهندية بعد قرار نيودلهي إلغاء الحكم الذاتي في إقليم كشمير، ناهيك عمّا تمخضت عليه الجولة الثامنة التي انتهت للتو بين وفديّ الولايات المتحدة وحركة طالبان.. تشي كلها بأنّ «المَخاض» لم يكتمل بعد, وأن الاحتمالات مفتوحة لخروج مُنتصرين ومهزومين وبروز معادلات وتحالفات وبالتأكيد «خرائط» جديدة, يصعب القول إنها ستكون نهائية وخصوصاً ان لعبة «الدومينو» الشرق أوسطية ما تزال على أشدّها. وحيث تونس على موعد مع رئيس وبرلمان جديديْن, فيما حراك الجزائر لم يُحسَم بعد.

kharroub@jpf.com.jo