أبواب -فاتن عبيدات

أصبحت ظاهرة العنف وباء منتشراً بين أوساط اجتماعية عديدة وخصوصا في الجامعات والمرافق العامة وشوارع المدن والقرى (...)، ولا يكاد يمر يوم إلا ونسمع فيه عن حادثة جديدة: جريمة قتل، مشاجرات فردية وجماعية،

ويلجأ الضالعون في أعمال العنف الى استخدام الأسلحة النارية والحادة بمختلف أنواعها وإغلاق الطرق وإشعال الإطارات في الشوارع والاعتداء على الأملاك العامة والخاصة كحرق المحلات التجارية وتحطيم مقتنياتها وحرق السيارات وتحطيمها (...).

صور العنف في المجتمع المحلي عديدة، ومثال ذلك ما حدث مع الشاب يزن البس الذي توفي طعنا في بداية آب الحالي إثر خلاف نشب بسبب اصطفاف مركبة في الرصيفة وأدخل الى المستشفى بحالة حرجة ولكن سرعان ما فارق الحياة فتوفي متأثرا بإصابته.

وقد يصل العنف ليمتد بين ذوى القربى دون الأخذ بالاعتبار إنعكاسه على باقي أفراد العشيرة أو العائلة، وهو ما يرويه زياد–موظف في إحدى الوزارات الحكومية و يقطن في إحدى الأحياء الشعبية- ويقول: «أعيش في منطقة غالبية قاطنيها تربطهم صلة القرابة وقبل عدة أيام اختلف سائقا عمومي على الدور مع أنهما أبناء عمومة، ووصل الأمر بينهما الى الطعن بالسكاكين وحالة أحدهما خطيرة والآخر تم ايقافه على ذمة التحقيق».

وبحسب التقرير الاحصائي الجنائي فقد بلغت الجرائم المرتكبة خلال العام الماضي (1148) حالة جناية وجنح وقعت على الإنسان منها (285) شروعاً بالقتل و(31)حالة من القتل العمد و(53)حالة قتل بالقصد و (5) حالات من الضرب المفضي للموت و(32) حالة قتل من غير قصد و(742) حالة إيذاء بليغ.

يعرّف دكتور الإرشاد النفسي أحمد ملحم العنف بأنه كل تصرف يؤدي الى إلحاق الأذى بالآخرين وقد يكون الأذى جسديا أو نفسيا أو لفظيا أو جنسيا.

ويلفت ملحم إلى أن العنف والشجار المجتمعي أصبح واسع الإنتشار، فنرى كثيرا من المشاجرات وسط الأسواق والحارات وحتى بين الأسرة الواحدة وغالبيتها تكون من المشاجرات الحادة والتي تؤدي الى قتل النفس مما يقوض أمن المجتمع والأشخاص والأسر.

ويضيف ملحم أن:«نسبة انتشار العنف تصل الى٣ بالمئة داخل المجتمعات بشكل عام ولكنها قد تزيد عن ذلك في مجتمعنا المحلي».

ويبين أن من أسباب العنف والمشاجرات عوامل بيولوجية ووراثية بالإضافة الى عوامل اجتماعية «سلوك الشللية» مثل «شلل الحارات»و«أبناء العشيرة الواحدة» بالإضافة إلى التخلف المجتمعي العام بسبب العادات والتقاليد و عدم التوجيه السليم للشباب اثناء الدراسة، فكثير من الطلبة بعد تخرجهم يفتقرون للمنظومة الأخلاقية والسلوكية بالإضافة إلى الأسباب الكيميائية مثل تعاطي الكحول والمخدرات التي تدفع بالمتعاطي إلى ارتكاب الجريمة.

ويضيف ملحم أن من أسباب المشاجرات ما يسمى في علم النفس «اضطراب الشخصية والشخصية السيكوباتية «وهي الشخصية التي تكون ضد المجتمع بالاضافة الى «الشخصية العظامية» والتي يرى صاحبها أنه أعلى شأنا من الآخرين فيقرر فرض شخصيته وانتزاع حقوقه بالقوة.

ويخلص ملحم إلى أن تنشئة أبنائنا بطرق صحيحة داخل الأسرة والمدرسة ومحاربة هذه الظاهرة إعلاميا عن طريق نشر الوعي المجتمعي ورفع المستوى المعيشي للأسر ومكافحة البطالة -والتي تمثل الدافع الاكبر للعنف بين فئة الشباب- وضبط فوضى اننشار السلاح يقلل من حوادث العنف التي قد تصل إلى القتل.

ويبين أخصائي علم الاجتماع الدكتور فيصل غرايبة أن ثقافة العنف في تزايد بالمجتمع العربي المعاصر وهناك كثير من التساؤلات حول هذه الظاهرة التي اضحت جلية بسبب التطورات في المجتمع الحديث وازدياد عدد السكان وكثافتهم في المدن.

ويلفت غرايبة إلى أن وسائل الإعلام الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعي قد ساهمت في انتشار العنف داخل المجتمع بسبب عرضها لكثير من مشاهده في «أفلام الرعب والأكشن» مع تبجيل أصحاب البطولة حتى يتوهم الشباب أن البطولة والرجولة والشجاعة تكون باستخدام العنف.

ويضيف غرايبة أن الأوضاع الاقتصادية زادت من حدة التوتر والعنف عند فئة الشباب، فانتشار البطالة وعدم توفير فرص العمل واليأس من المستقبل جميعها دفعت العديد من الشباب الى الخوض في مشاجرات لأسباب «تافهة» وكانت النتيجة إما و فاة او إصابات بليغة والبعض انتهى به الأمر في مراكز الاصلاح والتأهيل.

ويوضح غرايبة أن حوادث العنف والمشاجرات في الأوساط الجامعية قدتدنت عما كانت عليه في السنوات السابقة بسبب وعي الشباب وادراكهم بأن مصلحتهم تجنب المواجهة بينهم كما أن وسائل الإعلام ساهمت في التخفيف من حدة التوتر الذي يفضي الى العنف والشجار بين الشباب بالاضافة الى الإجراءات الرادعة التي تقع على ممارس العنف سواء من إدارة الجامعة أو الأجهزة الأمنية، كل ذلك ساهم في الحد من حجم هذه الظاهرة والاختفاء التدريجي لها داخل الأوساط الجامعية.

يقول المحامي النظامي محمد حمادنة إن:«انتشار المشاجرات والعنف داخل مجتمعنا ظاهرة لا يستهان بها قد تؤدي الى إصابات متعددة وقد تصل حد الطعن والقتل وتخريب الاملاك العامة».

ويبين حمادنة أن المادة «٣٢٦» من قانون العقوبات الأردني نصت على أنه من قتل انساناً قصدا عوقب بالأشغال الشاقة عشرين عاما والمادة «٣٢٨» نصت على أنه يعاقب على القتل قصدا (القتل العمد)مع سبق الاصرار بالإعدام.

ويوضح حمادنة أن المادة «٣٣٠»من قانون العقوبات تنص أنه في حالة ضرب أو جرح أحد بأداة ليس من شأنها أن تفضي الى الموت ولم يقصد ذلك ولكن المعتدي عليه توفي متأثرا مما وقع عليه يعاقب مرتكب الفعل بالأشغال الشاقة مدة لا تقل عن سبع سنوات.

ويلفت إلى أن المادة «٣٣٣» بينت انه كل من أقدم قصدا على ضرب شخص أو جرحه أو إيذائه بأي فعل مؤثر من وسائل العنف والاعتداء عوقب بالحبس من ثلاثة اشهر الى ثلاث سنوات.

ويلفت حمادنة ايضا أن المادة رقم «٣٣٤» تنص على أنه يعاقب بالأشغال الشاقة مدة لا تزيد على سبع سنوات كل من تسبب بضرب شخص باستخدام الشفرات والأمواس أو أي أداة حادة مهما كانت مدة التعطيل.

ويدعو حمادنة إلى ضرورة نشر الوعي القانوني بين فئات المجتمع لبيان أثره على مرتكب العنف اجتماعيا واقتصاديا وكذلك أثره على أسرته، لافتا إلى أن هذه المهمة تقع على عاتق الجميع وخصوصا وسائل الإعلام بمختلف أنواعها والمدارس والجامعات والأسرة...