كتب المحرر السياسي:

أنهى السودان امس ثمانية أشهر من الانتفاضة التي انطلقت في شهر كانون الاول الماضي، حيث بدا واضحاً أن الطرفين (المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير) قد اختارا «التوافق» وسيلة لبدء المرحلة الإنتقالية، التي اتُفِق على ان تكون مدتها ثلاث سنوات، دون ان يتمكّن أحد منهما من تحقيق كامل مطالِبه او تطبيق رؤيته للسودان الجديد الذي سينبَثِق عن المرحلة الانتقالية, وبخاصة لجهة تكريس الدولة المدنية في بلد عانى طوال ثلاثة عقود من حكم البشير، مشكلات اقتصادية واجتماعية وسياسية وخصوصاً تمرّدات عسكرية وحروباً أنهكت البلاد والعِباد، وأوصلَت السودان الى مرتبة الدول الفاشِلة وتم وضعه على قائمة الدول الداعمة للإرهاب (أَميركياً بالطبع).. فإن سيادة الحِكمة وبُعد النظر وعدم تمترَس أحد طرفَيّ طاولة المفاوضات العسيرة والمُضنية (المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير)، قد اسهمت ضمن أمور اخرى، وبخاصة دور الوساطة القوية والحاسِمة التي قام بها ممثلو الإتحاد الافريقي (مع غياب مؤسف للجامعة العربية وأي دولة عربية اخرى) في ايصال السودان الى هذه المرحلة الواعِدة وإن بحذر, حيث يصعُب التكهّن بمدى النجاح الذي ستصيبه او قدرة الاطراف المشارِكة في اللعبة السياسية الجديدة, من مجلس سيادي (بعد حلّ المجلس العسكري الانتقالي) الذي سيتم إعلانه اليوم، وبذلك تكون الخطوات المُبرمَجة التي ستنتهي يوم غد الاثنين طقوسها، قد فتحت الطريق امام تشكيل الحكومة الجديدة, بعد ان تم تجاوُز النقطة الخلافية الاكبر التي كادت تعصف بمفاوضات المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير, ونقصد بها عدد اعضاء المجلس السيادي ونِسبة مشارَكة المجلس وقوى الحرية والتغيير فيه. الامر الذي انتهى الى تسوية مقبولَة على الطرفين, وإن كان المجلس العسكري الانتقالي قد بدا انه خرَج رابِحا,ً بعد ان تم تعيين رئيسه (الفريق عبد الفتاح البرهان) رئيساً للمجلس السيادي, وتسمية خمسة اعضاء من المجلس العسكري ليكونوا في إطار «السيادي», تماماً كما حصلَت قوى الحرية والتغيير على العدد نفسه (5 اعضاء) على ان تتم تسمية شخصية «مدنية» أُخرى مُحايِدة بتوافُق الطرفين.

المشهد السوداني الجديد الذي افرزته الانتفاضة, وخصوصاً توافق المجلس العسكري الانتقالي مع قوى الحرية والتغيير كممثل حصري للمعارضة السودانية، ليس مزاجياً ولكن لاتّساع الصفة التمثيلية لهذه القوى وقدرتها على تحريك الشارع, وسيطرتها شبه المُطلَقة على النقابات والتجمّعات المِهنية والعمالية, ودائماً في فشل اجهزة الجنرال البشير الأمنِية في اختراقها (قبل الانتفاضة بالطبع), رغم ممارساتها القمعية التي طالت قطاعات واسعة افقية وعامودية, من الجماهير السودانية ونُخبها السياسية والحزبية والثقافية والاجتماعية والنقابية والطلابية.. مَنحَت قوى الحرية والتغيير المكانة التي لم تستطع بقايا نظام البشير بخاصة حزبه (المؤتمر الوطني) والتنظيمات الاسلاموية والصفوية وميليشياتها التابعة لها، نزعَها عنها او التأثير والضغط على المجلس العسكري الإنتقالي إختيار بديل عنها, رغم محاولات بعض مُكونات المجلس العسكري الزعم بان «القوى» لا تُمثِّل الطيف السياسي المعارِض كله في السودان.

اختيار الخبير الاقتصادي الأممي عبدالله حمودك لرئاسة الحكومة السودانية في المرحلة الانتقالية, مؤشر على احساس عميق لدى اطراف المشهد السوداني الجديد, بأن البلاد في حاجة الى خطة إنقاذ سريعة بعد وصول الإقتصاد السوداني والمرافق العامة والبُنى التحتية ونِسَب البطالة والتضخم والفقر الى مستويات كارثية, لم يعد بالإمكان مواصَلة انتهاج سياسات وخطاب النظام البائد, الذي واصَل زجّ البلاد في مغامرات وحروب داخلية وخارجية, انهكت البلاد وأوصلته الى حافة الإفلاس ولم يعد قادرا حتى على توفير «السيولة» النقدِية في الاسواق, ناهيك عن تعمّق الفساد والرشوة وتكريس الزبائِنية واستبعاد الكفاءات ومطارَدة والتنكيل بالمعارِضين الداعين الى «تنظيف» الادارات العامة من الفاسدين والمرتشين.

قدرة السودانيين على استثمار اجواء ما بعد حلّ المجلس العسكري الانتقالي وتسلّم المجلس السيادي سلطاته الدستورية, وشروع حكومة عبدالله حمدوك (القادمة) في مهمتها الصعبة (ولكن ليس المستحيلة) لإنقاذ البلاد، ستكون موضع اختبار ومراقبة من دول ومنظمات الاقليم, كما المنظمات الدولية التي لن تكون في وضع يسمح لها بتقديم المساعدات الفنية او المالية او الاقتصادية للسودان الجديد, الا اذا تأكّدت من جدية ما تقوم به الحكومة الجديدة من خطوات وما تتخذه من اجراءات في الاتجاه الصحيح, الذي ليس مطلوبا وليس بالضرورة ان يكون وِفق وصفات صندوق النقد الدولي او «شقيقه» البنك الدولي, بقدر ما تصب في صالح الجمهور السوداني وشرائحه الفقيرة التي تضرّرت من سياسات نظام البشير وخياراته الإقتصادية والاجتماعية, وخصوصا مغامراته وحروبه الداخلية والخارجية فضلاً عن الفساد الذي عشعش في اداراته البائسة.

يبقى أخيراً ان ترتقي «المعارَضات» السودانية وخصوصاً تلك التي ما تزال تحمل السلاح, الى مستوى المسؤولية الجديدة التي فرضتها الجماهير السودانية, منذ ان انتفضت على نظام البشير وحتى لحظة التوقيع على الوثيقتين الدستورية والسياسية واعلان المجلس السيادي ورئاسة الحكومة والسلطة القضائية الجديدة, حيث ستكون السلطات الثلاث مسؤولة امام الشعب السوداني للوفاء بوعودها وتعهداتها والانتقال بالسودان الى مرحلة بناء الدولة المدنية وتجسيد ثقافة المواطَنة والديمقراطية, وتداول السلطة على نحو سلمي وديمقراطي حُرّ, ومغادرة مربع الانقلابات العسكرية والتحالفات الإقليمية المُريبة.