عمان - جوان الكردي

انقطع أحمد الأمير عن الدراسة وهو في الصف الأول الثانوي، (الحادي عشر) لظروف صعبة أجبرته على ترك الدراسة.

عندها، لامه الكثير من أقربائه ومعارفه، وأشبعوه تقريعاً، وهم يؤكدون أن لا مستقبل لأحد إلا إذا كان حاصلاً على شهادة. وأنّ «الدراسة هي الطريق الوحيد لتنجح بحياتك».

بعدها، وبعد أن زالت الظروف التي منعته من إكمال تعليمه الثانوي، التحق أحمد بمعهد تابع لمؤسسة التدريب المهني وتخصص في التدفئة المركزية والتمديدات الصحية.

في البداية، لم يكن أحمد مهتماً كثيراً بالتدريب، لكنه، لكثرة الكلام والتعليقات المحبطة التي كانت تتبعه يومياً، التي تركز في معظمها على أن «لا مستقبل للمهن» وأنها «حكي فاضي» وأنه لن ينجح في حياته..

هذا الكم الهائل من الأقوال المحبِطة، ولّد رد فعل معاكس لديه، وجعله يصمم على النجاح والتميز في التدريب على المهنة التي اختارها، وعلى النجاح في عمله بعد إنهاء التدريب.

يقول أحمد لـ الرأي : «فكرت جيدا وقتها.. وقررت أن أنجح وأجعل الجميع يعرف أن الدراسة الأكاديمية ليست كل شيء»..

وبعد أن أنهى التدريب في المعهد اتجه إلى السوق المحلي لهذه المهنة وبدأ يتعلم ويركز على كل صغيرة وكبيرة متعلقة بالمهنة ويحرص على أن ينفذ كل ما يتعلمه بيديه من مواد وأدوات وأنظمة عمل وتشغيل.

«بدأت العمل بأجرة يومية دينارين، وقلت في نفسي إن قلة الأجر ليست مهمة الآن.. المهم أن أتعلم وأنجح.. خصوصا أن المقاول الذي كنت أعمل معه يمتلك خبرة واسعة.. ومضت الأيام وأنا أتعلم كل يوم أشياء جديدة. واكتشفت أن الصبر هو الطريق للنجاح»، يقول أحمد.

خلال هذه الفترة تعرف على مقاولين آخرين يطبقون أنظمة عمل مختلفة في نفس مجال عمله، فقرر أن يغامر ويتوجه إليهم ليتعلم ويكتسب مهارات جديدة.

هذه المغامرة ضاعفت أجرته اليومية؛ فصار يتقاضى أربعة دنانير في اليوم. وصار يحس أن مستواه المهني يتقدم ويتطور يوما بعد يوم.

بعد سنة من هذه المرحلة انتقل أحمد للعمل مع مقاول آخر واتفق معه على أن يحدد له أجرته اليومية بناءً على تقييم مدى معرفته وخبرته في المهنة، وحدد له ٧ دنانير في اليوم.

فرِح أحمد بهذا الأجر، ورأى فيه «بداية النجاح.. وصرت كل يوم أحب المهنة أكثر من اليوم السابق.. وخلال سنة صار يعمل بمستوى وكفاءة أفضل ممن يسبقونه سنوات في المهنة وينالون أجراً أعلى من أجره».

عندها قرر أنه صار ضروريا أن يرفع أجرته فصار يبحث عن فرصة أفضل، فتقدم لإحدى المؤسسات الكبيرة التي تعمل بمشروع بوليفارد العبدلي، ولكن مجال عملها أكبر وأضخم وأنظمة جديدة، وعيّن في هذا المشروع براتب ٣٥٠ ديناراً.

«طبعا صارت الدنيا لا تسعني من الفرح.. أصحابي وأصدقائي ما يزالون على مقاعد الدراسة وأنا أتقاضى راتبا جيدا.. وفوق ذلك تعلمت أشياء جديدة وغريبة وتعرفت على أشخاص جدد». ومضت سنتان وأنا على هذا الوضع، لكن كنت كل يوم أتعلم وأفكر كيف أنجح وأكبر بهذه المهنة».

بعد انتهاء المشروع التحق أحمد بمشروع آخر في منطقة البحر الميت، وجرى تعيينه بوظيفة «فني ميكانيك تمديدات صحية وتدفئة مركزية وأنظمة الإطفاء والتكييف المركزي» براتب ٤٨٠ دينارا، وأمضى فيه سنتين حتى انتهائه، لينتقل إلى مشروع آخر ومؤسسة أخرى بنفس الراتب والمسمى..

كان المراقب المسؤول «دائما يعاملني معاملة خاصة ويميزني عن جميع الزملاء مع أني الأصغر سنّاً، وكان يقول إنت ستكبر في هذه المهنة لأنك منظم في تفكيرك وتعرف كيف تنهي مشاكل العمل وتحلها بدون الاستعانة بأحد». كان حجم العمل كبيرا.. فعينه المراقب مساعدا له ورفع راتبه إلى ٥٣٠ ديناراً وبعدها بفترة رفعه إلى ٦٣٠ ديناراً. ومضى على عمل أحمد في هذا المشروع ٥ سنوات وتعرف على «أشخاص رائعين» من مهندسين ومراقبين «الذين يقدرون من يعمل بجد واجتهاد».

بعد أن انتهى المشروع طلب أحد المهندسين الذين عمل أحمد بمعيتهم منه أن يعمل معه في مشروع جديد. وهو ما أفرحه كثيرا، إذ صار شخصا يشار إليه في المثابرة والجد.. وبات له كيان مستقل ويجد من يقدر عمله وجهده وهو في السابعة والعشرين من عمره.. وتم تعيينه براتب ٧٥٠ ديناراً كبداية بوظيفة مراقب ميكانيك. وهو ما يزال على رأس عمله الآن..

وخلال هذه الفترة بنى أحمد شقة فوق منزل أهله وتزوج المرأة التي أحبها ورزق بمولودة عمرها الآن ٢٠ شهراً واقتنى سيارة.

«الصبر والإرادة سر النجاح، عندما تحب عملا وتخلص فيه تلقى النجاح، وعندما تمتلك روح التحدي ستنجز ما لا يتوقعه منك أحد.. وتبذل أقصى جهودك لتتميز وتتفوق على نفسك». بهذه العبارة يلخص أحمد الأمير سر نجاحه.