عواد علي

يستخدم العديد من النقاد والباحثين العرب مصطلح «المسرح النسائي» بمعنى «المسرح النسوي»، في حين أن ثمة فرقا واضحا بينهما، فالأول يشير إلى النشاط المسرحي الذي تقوم به النساء أو فرق مسرحية تديرها النساء، حتى وإن كان تكوينها وجمهورها خليطا من الجنسين، وتغلب على إنتاجاتها العروض التي تؤلفها وتخرجها كاتبات ومخرجات متمرسات.

ويستند هذا التحديد إلى منهج تلك الفرق المسرحية في العمل والإدارة، أي إلى ما يحدث وراء خشبة المسرح، لا إلى ما يُقدَّم عليها.

وفي هذا السياق، نشير إلى مهرجان «مرا» للمسرح النسائي في تونس، والتجارب المسرحية التي تخرجها وتمثل فيها نساء في السعودية، وتنشط عادة في المهرجانات الموسمية والأعياد، وتعود إلى سباتها طوال السنة، وهي تجارب جمهورها من النساء فقط، وتقوم على مقاربات مسطحة وتقليدية لقضايا الأسرة، وشؤون المرأة ومشكلاتها المتمثلة في تأخّر الزواج، وانتظار العريس، والخوف من تعدّد الزوجات... إلخ.

أما المصطلح الثاني فإنه يشير إلى التّجارب المسرحية التي تحمل وجهات نظر نسائية بحتة، أو تنطلق من النظرية النسوية (أو مبادئ الحركة النسائية المنظّمة التي تسعى إلى نصرة المرأة في جميع المجالات، والقضاء على أشكال القهر المتّصل بالنوع الجنسي)، وتشكّل محاولات لتحدّي المواضعات المسرحية «الذكورية»، التي تسعى إلى قولبة صورة المرأة، وتعكس الأبنية الاجتماعية التي تحصرها في الأدوار الثانوية والتابعة، أو تروّج لها بوصفها «قطعة تزيينية» أو «شيئا جميلاً».

وفي معظم الحالات، تكون هذه النتاجات المناهضة لقهر المرأة من إبداع نساء خرجن من معطف الحركة النسائية، لكن في بعض الحالات يقف وراء هذه الحالات رجال مناصرون للنظرية النّسوية. ومن الواضح أن تحديد هذا المصطلح يستند إلى ما يحدث على خشبة المسرح، أو ما يُقدَّم عليها من خطاب مسرحي ذي طابع نسوي. لذلك أطلق بعضهم على المسرح الذي يشير إليه هذا المصطلح «مسرح نصرة المرأة».

ويعود انتشار المصطلح إلى سبعينات القرن الماضي، حين ظهر إلى الوجود تأثرا بالنظرية النسوية التي تمحورت حول عمل المرأة في مجالات مختلفة، تتضمن الأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، والاقتصاد، والنقد الأدبي، وتاريخ الفن، والتحليل النفسي، والفلسفة، لمواجهة التمييز العنصري، والنمطية، والتشيّؤ (خاصة التشيّؤ الجنسي)، والقمع، والاضطهاد، والسلطة الذكورية.

في إطار هذا التمييز يمكن تحديد نوعين من التجارب المسرحية: تجارب مسرحية «نسائية»، أي تلك التي أنتجتها كاتبات ومخرجات مسرحيات، وتجارب مسرحية «نسوية»، أي تلك التي تحمل وجهات نظر نسائية بحتة (سواء أنتجتها نساء أو أنتجها رجال).

وثمة نماذج مسرحية عربية عديدة ظهرت خلال العقدين الأخيرين تمثّل النوع الثاني، وتشتغل معظمها على موضوعة الجسد الأنثوي، إما مقهورا وإما صانعا للجمال، منها «ثلاث نساء فارعات» (عام 2000)، التي اقتبستها اللبنانية رندا الأسمر عن نص لإدوارد ألبي، وأخرجتها نضال الأشقر، وهي تصوّر رحلة حياة امرأة تتوزع على ثلاث مراحل (الماضي، الحاضر، والمستقبل)، منذ لحظات تفتّحها الأولى على الحياة، وعلى جسدها، لتكشف عن مدى الأسى الذي تحمله المرأة، خاصة حينما تعيش حياة منفتحة.

ومن هذه النماذج كذلك «حكي نسوان» (عام 2006)، للكاتبة والمخرجة المسرحية اللبنانية لينا خوري، من خلال أداء أربع ممثلات يقدمن اثنتي عشرة قصة لواقع الأنثى في المجتمع اللبناني، عبر مونولوجات جريئة تصل إلى حد القسوة على الذات وعلى المشاهد، وكأنها تحاول أن تضع مرآة مكبّرة على الخشبة لتري المتلقّين من خلالها ما تعدّه عورات للمجتمع في تعامله مع المرأة.

وهناك أيضاً «كلام في سرّي» (عام 2007)، الذي اقتبسته الكاتبة المصرية عز درويش عن «حكي نسوان»، وأخرجته ريهام عبدالرازق، وهو يقارب مشكلات المرأة المصرية، والهموم التي تحملها في رحلة حياتها منذ الطفولة إلى الممات من خلال وجهة نظر المرأة ذاتها، في سرد إيقاعات أحداث حياة ثلاث نساء، وما يتعرضن له من إجحاف وتهميش، عن طريق الكلام والحركة الإيمائية.