نضال حمارنة

تميزت الكاتبة الراحلة توني موريسون بقوة تعبيرها عن هويتها الاجتماعية-التاريخية وتناقضاتها، بتدقيق ونقد وصياغة تعابير التمثيل نفسه في العمل الأدبي؛ لغته، ونظامه، وعلاماته.. وفي إدراكها لمسألة الهوية، واللغة في موضعها، مثلما اللغة في اشتغالها.

ولقد أشارت موريسون إلى ذلك في عرضها لوضعية الكاتبة/ الكاتب من أصل إفريقي، وعلاقتها هي شخصياً بالرواية جنساً حكائياً ينفتح في سيرورة انكشاف تفكيكي-حواري لتطريز الهوية والشكل الروائي. واعتبرت الكاتبة أن الأفارقة الأميركان وضعوا «النقطة السوداء» في الخيال الأبيض، وأن سؤال الثقافة ما بعد الكولونيالية ينطلق من هذه النقطة. لذلك اعتبر المفكر إدوارد سعيد أن إبداع موريسون يمثل «النوع المزدوج من الاقتصار الاستحواذي»، وهو إحساس المرء بانتمائه إلى الداخل على وجه الحصر بفعل الخبرة.

تركز رواية موريسون «أشد العيون زرقة» على سنةٍ من حياة بطلتها «بيكولا»، الفتاة السوداء الصغيرة التي تعتقد أن عينيها زرقاوان. تتعرض «بيكولا» خلال تلك السنة إلى عدد من المهانات والأفعال العنيفة، بما في ذلك اغتصاب أبيها لها وحملها منه، ثم تعلُّقها بالعينين الزرقاوين لدمية صديقتها، والذي يتطور إلى حالة هستيرية تؤدي إلى الجنون.

وفي رواية «نشيد سليمان» تقدم موريسون سرداً معقَّداً حول استكشاف «ديد» تاريخَ عائلته، وبحثه عن مكان كفرد داخل إطار ميراث العبودية والعنف. أما رواية «محبوبة» التي تتناول تاريخ العبودية، فتستكشف فيها الروائية حياة الأميركيين السود الريفيين بلغة غنية، وهي تحفة من تحف التقنية الروائية المعاصرة.

توضح موريسون التي نالت جائزة «بوليتزر» وجائزة نوبل للآداب، في حوار معها: «حين قرأت الوثائق وشعرت أن العبودية (مألوفة) وطاغية، أردت أن أجعلها (محسوسة). أردت ترجمة التاريخي إلى شخصي. قضيت وقتاً طويلاً لأستوعب ما جعل تلك البشاعة، تلك اللامبالاة في شخصية المستعبد. بقراءة بعض الوثائق لاحظت الإشارة إلى شيء لم يوصف أبداً بشكل كافٍ.. اللجام.. ذلك الشيء الذي كان يوضع في أفواه العبيد لعقابهم وإخراسهم دون أن يمنعهم من العمل. بينما كنت أبحث وجدتُ أن هذا اللجام كان الوريث المباشر لأدوات تعذيب محاكم التفتيش. وأدركت بعد عنائي أن وصف اللجام لن يكون مفيداً؛ فالقارئ لا يحتاج لرؤيته بقدر الإحساس بأثره، أدركت أهمية تخيُّل اللجام كأداة فاعلة، وليس فقط كحقيقة تاريخية. وبالطريقة نفسها أردت أن أوضح للقارئ كيف أحَسّ الناس بالعبودية، لا كيف كان مظهرها».

تقول «محبوبة» قبيل مقتلها: «كيف تعرفين أن الموت أفضل لي؟ لم يسبق لكِ أنْ متِّ.كيف لكِ أن تعرفي؟». لقد أرادت موريسون أن يكون الفعل في رواية «محبوبة» -قتل الأم لابنتها- معروفاً، لكنه مؤجل وغير مرئي.. أرادت أن تعطي القارئ كل المعلومات والعواقب المترتبة على الفعل، متجنبة في الوقت نفسه الانشغال بالعنف نفسه، أي تنافس اللغة مع العنف.. بل بتحويل اللغة.. بتحريرها والتوقف عن تحديدها أو قمعها، بتحريضها، بالتخلص من قيودها العنصرية.