د.محمّد محمّد خطّابي

كاتب وباحث ومترجم وقاصّ من المغرب

عضو الأكاديمية الإسبانية الأميركية للآداب والعلوم، بوغوتا، كولومبيا

قام عدد من رجال الدين والمسؤولين الكنسيين في قرطبة، وفي طليعتهم أسقف قرطبة مونسينيور «ديميتريو فيرنانديس غونساليس»، بتغيير اسم «مسجد قرطبة» (Mezquita de Cordoba) الذي يُنعتُ ويُعرفُ عند القرطبيين والعالم أجمع منذ قرون عديدة بهذا الاسم، إلى «كاتدرائية قرطبة».

وقد أثار هذا الصّنيع ردود فعل متباينة غاضبة لدى المواطنين الإسبان من سكّان قرطبة على وجه الخصوص، وكذا لدى شرائح المجتمع الإسباني على وجه العموم من سياسيّين وكتّاب ومؤرّخين ومُستعربين وسواهم، الذين استنكروا برمّتهم هذا الإجراء الموغل في التزمّت، والذي ينمّ عن انكماش وانغلاق في التفكير، ولا ينتمي إلى عصرنا بقدر ما يعود إلى عصور الجهالة والتأخّر والتقهقر والظلام؛ إذ كيف يمكن تغيير اسم معْلَمة تاريخية ذائعة الصّيت فريدة في بابها تحمل اسمَ مسجد منذ القرن الثامن للميلاد إلى اليوم؟

مسجد أم كاتدرائية؟!

حتى وإن كان كلٌّ من المسجد والكاتدرائية بيتاً من بيوت الله، تجدر الإشارة إلى أنه قبل افتتاح مسجد قرطبة الأعظم أخيراً في وجه السياح ليلاً باستعمال الصّوت والضوء والتكنولوجيات المتطوّرة للمرّة الأولى، كانت زيارة هذه المعْلمة الإسلامية العظيمة تتمّ نهاراً فقط. وقد أصبحت الزيارات الليلية تستغرق اليوم حوالي السّاعة، باستعمال ثماني لغات حيّة بما فيها اللّغة العربية. (أهلاً بكم في كاتدرائيّة قرطبة)! هكذا تفتتح المسؤولة عند تقديم الشّروح والتفاسير والإرشادات المتصلة بهذه الزيارة على أنغام موسيقية ذات طابع كنَسي غريغورياني، ثمّ يُبَثّ فيديو وثائقي مقتضب حول المراحل التاريخية التي شهدتها قرطبة ومسجدها الأعظم.

تؤكّد المستعربة الإسبانية «فرخينيا لوكي» في هذا السّياق، أن هذا يتنافى مع المبادئ التي صادقت عليها منظمة اليونسكو العالمية في باريس التي تقرّ بالطابع الإسلامي لهذا المسجد العظيم والتي أعلنت في عام 1984 أنه تراث ثقافي للإنسانية جمعاء.

وعبّر المستشرق والأكاديمي الإسباني «أنطونيو شافيس» (جامعة اشبيليه)، عن استغرابه ودهشته؛ حيث إنه تحت ذريعة إبراز الطابع الأندلسي للمسجد تتمّ الإشارة في هذا الفيديو إلى التأثيرات الهلينية والبيزنطية ولا تتمّ الإشارة إلى الطابع العربي والإسلامي لهذه المعلمة التاريخية الفريدة. كما أن كلّ التفاسير والشروح التي يتمّ تقديمها خلال الجولات الليلية داخل المسجد، تُبرز الطابع الكاثوليكي للمسجد، بل إننا نجد حتى على تذاكر الدخول كلمة الكاتدرائية أو كاتدرائية قرطبة تتكرر مرّات عدّة، في حين تختفي كلمة «مسجد».

ويتأسّف هذا المستعرب أن لا يَظهر خلال الجولات الليلية ضمن المشروع الثقافي والتاريخي والسياحي الضّخم الذي أُطلق عليه اسم «روح قرطبة»؛ أنّ قرطبة ومسجدها كانا دائماً رمزاً ومثالاً للتسامح والتعايش بين الثقافات والديانات في أبهى عصورها على امتداد التاريخ، حيث يتمّ التركيز فقط خلال هذه التفاسير على كلّ ما هو معماري دون استغوار أو استبطان أو تبيان أو استكناه أو إبراز روح هذه المعْلمة الخالدة، والدّور الحضاري والثقافي والعلمي والديني الذي اضطلع به هذا المسجد الكبير الذي طبقت شهرته الآفاق منذ تأسيسه عام 785م (92هـ) على يد الأمير الأموي عبد الرحمن الأوّل الداخل (صقر قريش)، والذي تمّ تجديد بنائه وترميمه وتوسيعه في تواريخ لاحقة من طرف الأمراء والخلفاء المسلمين الذين تعاقبوا بعده، أيّ أن هذا المسجد الجامع قائم ومعروف بهذه الصفة منذ ما ينيف على ثلاثة عشر قرناً من الزمان.

مهرجان الشعر العربي

خلال العام الجاري 2019 تكون قد مرّت ستٌّ وخمسون سنة على تنظيم أوّل مهرجان للشّعر العربي بحاضرة قرطبة الغرّاء. كان قد شارك في هذا المهرجان الدولي الذي أقيم عام 1963 العديد من الشّعراء العرب الكبار في ذلك الأوان، في مقدّمتهم الشاعر السوري الرّاحل الذائع الصّيت نزار قباني. كما كان هذا المهرجان قد شهد أكبر تجمّع للمستعربين الأكثر شهرة آنذاك على الصّعيدين الوطني والعالمي بحجم لويس سيكو دي لوسينا، والأستاذ في الجامعة المستقلة بمدريد بيدرو مارتينيس مونتافيس، وميغيل كروث هيرنانديس، وهنري تيراس، وسواهم.

وقد تغنّى هؤلاء الشّعراء من العرب والإسبان خلال هذا الملتقى المهم بأمجاد هذه المدينة الجميلة، كما عقد المستعربون الإسبان ندوة كبرى سلطوا فيها الأضواء على تاريخ قرطبة التي كانت طيلة قرون عدة عاصمة للخلافة الإسلامية في الأندلس أيام أوج عزّها، وخلال ذروة مجدها، واستعرضوا أيضاً تاريخ مسجدها الأعظم.

حاضرةٌ فاقت كلَّ الأمصار!

تُخبرنا مُعظم الكتب والمراجع والمصادر والمظانّ التي عُنيت بتاريخ الأندلس، أن مدينة قرطبة كانت من دون منازع درّة الأندلس وإحدى حواضر العالم الكبرى التي حظيت بشهرة واسعة في القرون الوسطى، تفنّن الخلفاء المسلمون الذين تعاقبوا عليها في تشييدها وإعمارها، حيث ناهزت قصورُها عدّة آلاف قصر، وبلغت حمّاماتها سبعمئة حمّام، وكان بها 160 مسجداً، وكانت شوارعها مرصوفة وتُضاء ليلاً، وفاق عدد سكانها المليون نسمة.

واشتهرت قرطبة على وجه الخصوص بمسجدها الجامع الأعظم، حيث كان يتّسع لثمانين ألف مصلّ، ولم يدّخر المؤرّخون وسعاً في وصف هذه المدينة الأندلسية الجميلة، كما وصف الرحّالون الذين زاروها في تواريخ متفاوتة ضواحيها وأرباضها ومساجدها وحمّاماتها وبساتينها ومنتزهاتها، وفي طليعتها مدينة الزهراء التي لا تبعد عن قرطبة سوى بضعة كيلومترات. كما وصفوا قنواتها وبحيراتها وصهاريجها وسواقيها وجسورها، وعلى وجه الخصوص قنطرتها الشهيرة.

يقول صاحب ولّادة بنت المستكفي، الشاعر المُجيد ابن زيدون، في أبياتٍ تشعّ حنيناً ومحبّةً وهياماً بمدينته الأثيرة قرطبة:

أَقُرْطُبةُ الغَرَّاءُ هل فيكِ مَطْمعُ؟

وهل كَبدٌ حرَّى لبَيْنِكِ تُنْقَعُ؟

وهل للياليكِ الحميدةِ مَرْجِعُ

إذِ الحسنُ مرأى –فيكِ- واللهوُ مَسْمَعُ.

قرطبة مدينة الجمال والظلال، والألوان والأحلام، والشوارع الفسيحة، والأزقّة الضيّقة ناصعة البياض، أشهر المعاقل والحواضر الإسلامية في شبه الجزيرة الإيبيرية على وجه الإطلاق.

يقول الشاعر القرطبي الفقيه ابن عطيّة الأندلسي مفتخراً ومتباهياً بمباهج مدينته وأمجادها ومعالمها، ومشيداً بفضلها على سائر الحواضر والأمصار الأندلسية أيام عزّها:

بأربعٍ فاقتِ الأمصارَ قرطبةٌ

هي قنطرة الوادي وجَامعُها

هاتان ثنتان والزّهراءُ ثالثةٌ

والعِلمُ أعظمُ شيءٍ وهو رابعُها

كانت هذه المدينة التي تحفل بالمكتبات وأروقة العلم وبيوت الحكمة، تزيّن مكتبةَ «الحَكَم المُستنصر» بها (861-976م) أزيدُ من أربعمئة ألف مخطوط، هذا الرّجل الذي قال عنه «بُولْ لِينْ» إنه كان «دودة كتب»، وقال عنه ابن خلدون، إنه جمع من الكتب ما لم يجمعه أحد من الملوك قبله.

كانت شوارع قرطبة الفسيحة، وأزقتها الضيقة الصامتة، تنبض بالحركة والحياة، كلّ ركن من أركانها يعانق التاريخ. صمتها يشيع السّكينة والطمأنينة في النفوس، ويبعث على التأمل وإعمال النظر. ونافوراتها ما زالت تقذف المياه العذبة الصّافية التي تـتدفّق من الينابيع القديمة، وتنشر السعادة والجذل والحبور والرذاذ العاطر الرّطيب في كل مكان.

عن هذه المدينة السّاحرة يقـول الشاعر القرطبي الإسباني الكبير «لويس دي غُونْغُورا» في قصيدة قمت بترجمتها من الإسبانية:

«آه أيّها الجدار الشامخ

آه أيتها الأبراج المتوّجة

بالشّرف والجلال والشهامة

أيّها الوادي الكبير

إرث الأندلس العظيم

ذا الرّمال النبيلة

التي لم تعد ذهبية!

أيّها السّهل الخِصب

أيتها الجبال الشاهقة التي جللتها السّماء

وأكسبها المساء لونَ الذهب

آهٍ يا بلدي المجيد

بالأقلام والسّيوف

بين تلك المعالم والمآثر

التي يزيّنها وادي شنيل

ويغسلها نهر الدارّو

ذاكرتك ليست غذائي

وعيناي الغائرتان ليستا جديرتين

برؤية جمالك

وجدارك وأبراجك

وأنهارك وسهولك وجبالك

آهٍ يا بلدي

يا زهرة الأندلس».

يعلّق الناقد «ميشيل بوتور» على قصيدة غونغورا الرائعة فيقول: «إن غونغورا عندما يتحدّث عن الجدران والأبراج بقرطبة لا بدّ أنه رآها بأمّ عينيه في هذه المدينة التي هي مسقط رأسه، إلّا أنه لم يعد لها وجود الآن، ومن شأن ذلك أن يضاعف من مقدار شعورنا بالألم، والحسرة، والمرارة».

ويضيف: «عندما يتحدّث الشاعر غونغورا عن السّيوف، لا بدّ أنه كان يفكر في أبطال هذه المدينة ذات الرّوح والجسد العـربيين-الأمازيغيين. وعندما يتحدّث الشاعر القرطبي عن الأقلام فلا بدّ أنه كان يفكر في علماء هذه المدينة، وفى شعرائها وفقهائها وحكمائها بدءاً بالعهد العربي المجيد ورجوعاً إلى العهد الرّوماني القديم لمدينته، أيّ إلى عهد فيلسوفها وحكيمها الشّهير (سنيكا). وعندما وصف الشاعر القرطبي القديم رمالَ نهر الوادي الكبير بأنها رمال نبيلة، إلّا أنّها -في نظره-لم تعد ذهبية! ربّما كان الشاعر يتأسف في العمق على ماضي المدينة الزاهر، وعلى مجدها التالد إبّان الوجود الإسلامي بها».

بيزنطة الغـرب

الحديث عن قرطبة يحلو ويطول وذو شجون، وهو يجرّنا بالضرورة إلى الحديث عن مسجدها الجامع الأعظم، وهو وحده كافٍ ليقدّم الدليل القاطع على عظمة العهد العـربي-الأمازيغي في هذه المدينة وجلال ورفعة الحقبة الإسلامية بها. هذه المدينة تعود بنا القهقرى، وتردّنا إلى عهد مجدها في القرن العاشر، كلّ شيء فيها يذكّرنا بعصر الخلافة حيث كان بعض المؤرّخين الثقات المنْصفين يعتبرون قرطبة بمثابة «بيزنطة الغـرب» في ذلك العصر، ولا شكّ أن عظمة هذه المدينة كما يؤكد معظم الدارسين والمؤرخين تأتي من عظمة مسجدها الجامع الأعظم.

يقول الناقد «ميشيل بوتور»: «إنه من سخف الأقدار أن يعمل الإنسان على إضفاء الطابع غير الإسلامي على المسجد. إن ذلك بمثابة اختراق رمحٍ أو خنجرٍ لقلبِ مؤمنٍ تقيٍّ ورع. إنّ الإضافات التي أُلحقت بالمسجد على مرّ التاريخ كانت من السّخف حتى أمست أضحوكة في أعين كلّ من زاره، ليس فقط عندما أُقحمت كاتدرائية في قلب المسجد تبدو وكأنها غارقة في غابة من الأقواس والأعمدة ذات الرّونق العجيب والتي شُيّدت بأشكال هندسية ومعمارية تحيّر الناظرين، فقد أصبحت هذه الكاتدرائية كحَجر وقد رُمي به وسط غدير جميل فغطته المياه! إنها تحُول دون رؤية جمالية البناء والاستمتاع بسحره وجلاله. إنها تبدو كفقاعة من ملل أفسدت هيبة المكان».

ويضيف «بوتور»: «إنّ الجهود التي بُذلت لهزيمة الخصم قد باءت بالفشل، وقد انتصر الأصل دون إعلان أو قيام أيّ حرب!». ويتابع قائلاً: «الندم والتأسّف لا بدّ أنهما قد صاحبا العديد من سكان المدينة من القرطبييّن على امتداد التاريخ حكّاماً أكانوا أم مواطنين عادييّن من جراء محاولات إفساد أجمل معلم حضاري في مدينتهم، بل أجمل المعالم قاطبة التي شيّدتها يدٌ شريفة في التاريخ».

ويعود «بوتور» ليؤكّد: «إنّ الإمبراطور كارلوس الخامس هو الذي كان قد سمح من بعيد ورخّص ببناء هذه الكاتدرائية وسط المسجد الجامع، إلّا أنه عندما حضر إلى قرطبة وقام بزيارة المسجد الجامع لأوّل مرّة ورأى النتيجة، نتيجة الصّراع، لم يكن في وسعه إلّا أن يعلن هـزيمة الحزب الذي ساند وأيّد، وقد سجّل التاريخ له ذلك في كلمات مشهورة لا بدّ من إعادة سردها في هذا المقام، قال حينذاك متحسّراً: (ويحكم ماذا فعلتم؟! والله لو كنت علمت بما كنتم تنوون القيام به لما سمحتُ لكم بذلك، لأنّ الذي شيّدتم هنا يوجد في كل مكان، وأراه في كلّ مكان، أمّا الذي كان موجوداً هنا فهو فريد وليس له نظير في أيّ مكان». وبعبارة أخرى، إنّ ما وقعت عليه عينا الإمبراطور كارلوس الخامس عندما حضر إلى قرطبة وزار مسجدها الأعظم إنما كان عبقرية المكان ومَعلمَة الزّمان.