أحمد الشيخاوي

عبر مجموعتها القصصية «زوجة تنّين أخضر»، تحاول الكاتبة السورية روعة سنبل الاحتفاءَ بالحياة على تعدد ألوانها ومعانيها، على نحوٍ يمنح فولكلوريةً ما لنظير هذه الحالات الإنسانية إذ تفيض عن الوجع ذات مكابرة لا تكفّ عن تنفُّس الأمل من شقوق الكتابة الطاعنة بالذبول والخواء والانتكاسة، رجماً بطقوس اليأس، في رثاء المشهد الصاعق بأنين الصلصال الكنعاني.

كتابة عنفوان عارية بالتمام، ومحمولة على روح الانتصار للحياة، في جميع الأحوال، رغم واقع الحصار المضروب على وطن ينزف لحماقات الأيديولوجية، وتستفحل فيه مظاهر التجويع والتفقير والبطش، كأقصى ما تكون تجليات الجنائزي وهيمنة المآسي الإنسانية وصولة صور الإبادة.

من تم نكون إزاء كتابة مضادة برؤاها الاستشرافية، كتلك التي يقدمها هذا المنجَز السردي الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» بعمّان (2019) في 150 صفحة من القطع المتوسط، موزعاً إلى فصول من ألوان الطيف الرئيسية، وقد استُثني منها، ضمن هذه التعبيرية الدامية، الأصفر، ربما لحاجةٍ في نفس يعقوب، كما يُقال، إذ تمّ إسقاطه من اعتبارات المجموعة الموجعة بتفاصيلها وإحالتها على تكعيبية معاناة الكائن السوري، على وجه التحديد.

تستهل القاصة مجموعتها، بنصّ موغل في السوداوية، من خلال عوالمه، تتبنى فيه أسلوباً تحليلياً، أكثر منه تصويرياً، بغية الغوص أبعد ما يكون عن الاستكناه، وسبر نفسية طفل تتقاذفه لحظات الفراغ، ويغتصب صفحاتِه النقيةَ البيضاء، راهنُ الخراب والحصار.

ذلكم الطفل الذي يتعلّق بقطته، حدّ الجنون، يترع ببديل ثقافة الانشغال بها وأنسنة الصلة بها.. بعض فراع روحي خلفه الفقد والحرمان، وجور الحرب الدائرة على مرحلة حساسة وجوهرية وخطيرة جداً تسمى «الطفولة»، يصعب علينا تخيُّل طرائق انتهاكها واغتصابها في وطن ملغوم عصفت به الدموية والفوضوية والاضطراب، وشربت نيرانُ القصف وعشوائيته ماءَ الطفولة والحياة داخل حدوده.

تتسلسل نقاط إرباك المتلقي، عبر انسيابية نصّية، تنذر –غالباً- بالأسوأ وبالنهايات الكارثية، مع التركيز على جرد الأحداث الأشدّ مرارة، والباعثة على القشعريرة والتقزّز، بنفَس سردي عاقّ، يتنكّر لكادره الحكائي القاتم، لصالح معاني الاحتفاء بالطفولة والحياة.

تماماً كما المحطة الصادمة، وهي تترجم خيبة طفل يكتشف بعد ليالٍ من الجوع، أنه أكل قطته، بعد أن يتناقل الخبرَ صبْيةُ الحي، أقرانه، ولنا أن نتأول بالاتكاء على المعالجات «الفرويدية»، إذا شئنا، حجم الصدمة أو الغيبوبة الوجودية التي قد تتبتلع طفلاً يزلزله سرّ مقيت كهذا، وأنّى لأسرته الصغيرة المتألفة من أم وأب وشقيقة رضيعة، بهذا الطبع المغرق في فلسفة التشبث بحبل النجاة، في وسطٍ لا سلطة فيه بالمطلق إلّا للغة الدمار والموت.

تقول الساردة: «عصر اليوم التالي، بكيتُ من جوعي، وسارة بكت، كانت تمص ثدي أمي بشراهة، ثم تفلته وتبكي بصوت مرتفع، وتبكي معها أمي، تنظر نحو السماء وتقول: (شبعنا حصاراً يا ربي، والله شبعنا). في الضوء الشحيح لشمعة وحيدة، رأيتُ أبي يمضغ طعامه بعينين شاردتين، صامتاً كالجدار خلفه، ماما كانت تبكي دون صوت، وتهمس كل قليل: (كُلْ يا حبيبي، كل بالصحة والهناء). صباح اليوم، أخرسني الخبر في البداية، ثم أنكرته، وأخيراً استسلمتُ لبكاء موجع حين علمت من أحد الصبْية في الحي أنني أكلت قطّتي» (قصة «بهدوء خلف قطته»، ص17).

وتنحو السردية منحى غرائبياً، منوّعاً في استحضار الشخوص الأكثر تعقيداً ومكابدةً ونضالاً ضد صروف وأهوال الدهر من جهة، وأعمق وعياً بخيوط لعبة الأقدار من جهة ثانية، على غرار ما تضمّنته قصة «رجل بلا رأس» و«زوجة تنين أخضر» و«فيسبوك للموتى».

تغذّي الذات مواقفها بسحر الماضوية ومتاهات الاسترجاع، وفق استثمار مقتصِد للحكايات الشعبية الشهيرة، مع طاقة كبيرة للتحكم في ذلك، ما يتيح مساحات كافية للتخصيب، إنْ حذفاً أو إضافة. علاوة على انثيالات النهل من الموروث، والتشرّب من ذاكرة الخرافيّ، دون أخذه على أصوله، كما نسجته المخيلات القديمة، وإنما بغرض تحريفه وفق ما يخدم الأغراض العامة، ويزكي جوانب الرّسالة، في فسيفساء ترتجل النبش في سيرة حصار طويل مرير، كما هو مستفاد من قصة «علاء الدين وامرأة تحلم»، على سبيل المثال.

تقول الساردة: «لم يلحظ زوجي شيئاً، لكنه في اليوم الثالث، ليل الخميس تحديداً، همس بحرارة في السرير: (تبدين فاتنة كامرأة في حكاية). لم تفلح محاولاتي في التظاهر بالنوم، وبدأت أتصبّب عرَقاً، محرَجة أمام علاء الدين بسبب قُبلات زوجي ومداعباته، تنفّستُ الصعداء حين أنقدني صوت بكاء طفلي من الغرفة المجاورة، ضممتُه حتى نام، ولم أعد لغرفة نومنا، خرجتُ إلى الصالة وتبعني زوجي، كان كل شيء بيننا مثالياً. (هذا لأنك تحلمين)، قال الصوت في رأسي ساخراً حين كنت أعود لغرفة نومي بعد منتصف الليل على أطراف أصابعي» (قصة «علاء الدين وامرأة تحلم»، ص48).

بهذا نخلص إلى جملة من دوالّ إدانة الحصار، تصوغه لغة صافية، تفرض سلطتها على لوحة البوح ككل، مزدانة بمنظومة مفاهيم تنتصر لتلاوين الطفولة والحياة، حتّى والذات الساردة تناور في رحم التراجيديا، نصاً ومكاناً، عتبات وثيمات، شكلاً ومضموناً.

هي سرديةُ بناء المعاني المضادة لسطوة وتفشّي روح الانهزامية والانكسار، بانفتاح واعٍ على آفاق قزحية، تنهل من الأمل لتملأ كؤوس العطشى للعيش بسلام، داخل وطن مستقر يرعى إنسانية الكائن، وتزركشه نوتات فصول الطفولة السعيدة والحياة الطيبة.