الكرك - نسرين الضمور

لم يعد للعيد مذاقه المميز الذي يحن له معمرو الكرك بعد ان تبدل الحال، فالناس غير الناس والطباع غير الطباع حيث مغريات الدنيا وملذاتها المحيرة التي قد تدفع البعض للخروج عن مألوف المجتمع وما تربى عليه من خصال تناقض المنطق.

اعياد الامس كانت فرحا وبهجه يحسها الكبار ويتلذذ باجوائهما الصغار، روحانية والفة ومودة تصهر الجميع، يقول المعمر ابو سليمان، في بوتقة الرحمة والتواد، اما اعياد اليوم فادعى لاثارة الاشجان، نفوس يعكر صفوها قسوة الحياة وضيق ذات اليد وضنك نفقة العيد واستحقاقاته، ليست هي اشجان العوز والحرمان فقط، يضيف ابوسليمان، بل كل مانسمع ونرى بيننا وحولنا يثير الاشجان ايضا، دمار هنا وتناحر واحقاد هناك، امور اضحى التنبؤ بدحرها امنيات وقراءات المستقبل باتت عصية على الفهم ولا تؤطرها توقعات، واقع ترك بحسب ابي سليمان بصمات قد لا تمحى، اثخنت جراح الواقع وعمقت الجفاء والبغضاء بين الناس.

وتابع ابو سليمان، البساطة والطيبة والايمان مهرت اعياد الامس، اما اعياد اليوم فملئت بمنغصات الفقر والعوز ومشاهد قسوة الانسان على اخيه، فاضحت الاعياد مجرد فروض شرعية يؤدي الناس طقوسها ولسان الحال ينطق «هذا هو العيد أين الأهل والفرح ضاقت به النّفس أم أودت به القرح».

وقال: في هذه الايام الفضيلة، تعيدني الذكريات، الى خوالي الايام، لا مظاهر ولا تفاخر ولا منة لغني على فقير، تبريكات العيد صافية من القلب، لا زيف ولا رياء كما نلمس اليوم، لا فرق انذاك بين فقير وغني، الكل سواسية فافراح العيد تبهج الجميع، واعياد اليوم ابواب مساكن مغلقة على اربابها لا مظهر لنبض العيد فيها، اما بالامس فكان الناس يتنقلون صبيحة اول ايام العيد من مسكن لاخر لالقاء تحية العيد «كل عام وانتم بخير» على ساكنيها.

الاضحية وفق ابو سليمان كانت في متناول الجميع، فالكل يملك شياها ومن لا يملك فلا يعدم من يمده باضحية تفرح اطفاله، ويتذكر ابو سليمان كيف كان الناس ينتقلون من مسكن لاخر ليحضروا ما ينحر من اضحيات عن ارواح متوفين، واليوم لا شيء من هذا الا ما ندر وكان الناس في تجاف وخصام، فالواقع يحكي «يا عيد ليس لك نظرة في عيوني، أنسيتني أم زماني نساني».

واذا كان الاحتفاء بالاعياد واجبا دينياً ومناسبة لتعميق اواصر المودة والتلاقي بين الناس فان للعيد في مخيلات الاطفال معان ارحب واشمل فالمقولة الشعبية تحكي » العيد عيدك يا ولد، البس جديدك ياولد» فالعيد بالنسبة للاطفال في كل حين بهجة وحبور وقبض عيدية ولبس جديد، لكن ثمة فارقا بين وسائل تعبير الاطفال عن فرح العيد بين الامس واليوم، بالامس، قالت الجدة ام محمود، كان الاطفال يتوسدون ملابسهم الجديدة البسيطة في ليلة العيد ويبكرون لارتدائها بزهو وخيلاء يلتقون على ناصية الحي، يطرقون بطيبتهم وعفويتهم ابواب البيوت، بالانتظار قطع حلوى وربما بعض من عيديات نقدية، اما اليوم فثمة خلاف فلا اطفال يطرقون الابواب للتهنئة بالعيد ولا شوارع تغص ببائعي الفول النابت وقطعة البليلة والهريسة وبائعي «الفريرات» وهي اوراق ملونة تقصقص على شكل مروحة تثبت على عصى فيركض الاطفال ليحرك الهواء الفريرة، الى ماسوى ذلك من مسليات سالف الزمان.