مع انطلاق ذي الحجة من كل عام يشد المسلمون من جميع أنحاء العالم، الرحال إلى الأراضي المقدسة في المملكة العربية السعودية لأداء مناسك الحج» وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق»، والحج ركن من الأركان الخمسة التي بني عليها ديننا الإسلامي الحنيف، وهو مدرسة إيمانية عظيمة يتلقى فيها المسلمون الدروس والعبر والفوائد الجليلة في شتى مجالات الحياة، كما انه يطهر النفس ويعيدها إلى النقاء والصفاء ويقوي الإيمان ويرفع معنويات الإنسان المسلم ويجدد حياته.

ويعد موسم الحج بمثابة مؤتمر إسلامي عالمي، يلتئم فيه شمل المسلمين من كل حدب وصوب، وتتجلى فيه العظات والفوائد التي من أبرزها الوحدة والتساوي بين الناس جميعا في اللباس والأعمال والشعائر، فلا فضل لأحد على احد هناك والكل قد ترك الأهل والأحبة وفي مخيلته هدف واحد هو عبادة الله والتضرع إليه لنيل مغفرته ورضوانه والعودة كما انه للتو يولد، وذلك تصديقا لقوله عليه السلام «من حج فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه».

وفي عالم اليوم، الذي تنتشر فيه دعوات الغل والحقد والكره تبرز أهمية الحج كمناسبة إسلامية عالمية، يمكن للمسلمين خلالها تدارس أوضاعهم بمنتهى الحكمة والعقلانية والرزانة ومواجهة دعوات التطرف والإرهاب وتنقية صورة الإسلام السمحة الذي يحاول البعض اظهاره على انه دين القتل والتعالي متناسين أن رسالة الإسلام هي رسالة عظيمة نقلها محمد عليه السلام عن ربه وبلغها للإنسانية جمعاء مستخدما كافة السبل والوسائل الدبلوماسية التي جعلت منه نبيا يحقق القبول بين سائر بني البشر.

إن العالم الإسلامي اليوم بحاجة إلى نهضة فكرية شاملة، تحتفظ بالأصالة دون أن يكون ذلك سببا في التخلف عن مواكبة الحياة المعاصرة واستيعاب تطوراتها الكبيرة في مختلف أصناف العلوم والمعارف، فالإسلام لم يكن يوما دينا مغلقا على ذاته بل امتاز بالمرونة والتفاعل مع العالم بثقة وعقل نير فهو دين الصدق والتواضع والانفتاح.

إن التقاء مسلمي العالم في كل عام يحمل معه اجل الدلالات والصور المشرقة التي من خلالها يستذكر المسلمون أمجاد هذه الأمة الإسلامية وما قدمته من عطاء خالد وفكر قيّم ونور وهداية للبشرية، وحضور مؤثر وكيف انه أسهم في تدعيم واغناء حضارات العالم الأخرى وقام بتعليم بني البشر التسامح والترفع والعدالة وتولدت لدى أتباعه قناعات الإيمان الراسخ الصحيح، وجادل الذين خالفوه بالتي هي أحسن ولم ينكر عليهم أديانهم ومذاهبهم ولم يقلل من شأنهم.

ولئن كان الحال كذلك، فإننا في أكناف بيت المقدس الذي يتولى أمره ملك هاشمي من سبط نبي هذه الأمة عليه السلام، فان الفخر يحدونا جميعا، بأن جلالة الملك يجسد بالقول والفعل أصالة الالتحام وأنبل المعاني التي تشدنا جميعا لنصرة فلسطين وقضيتها العادلة حتى يتمكن الفلسطينيون من العيش بسلام وكرامة على سائر أجزاء ترابهم الوطني، وما ذلك إلا وفاء للرسالة الهاشمية العامرة بروح الإيمان والانتماء للأمة العربية والإسلامية والتفاعل مع قضاياها بصدق وعزيمة وإخلاص.

Ahmad.h@yu.edu.jo