هناك أسطورة مفادها: انّ الامبراطور أمر بوضع صخرة كبيرة في طريق الناس الرئيس في المدينة، وأمر بمن يراقب الردود ممن يمرون بتلك الطريق، وفعلا أصبح الناس يمرون عليها تبعا، فما بين صارخ ومنتقد ومعنَّف وتقول القصة: بأنهم ممن أوتوا بسطة في المورد والمصدر وكانوا يمرون عليها دون القيام بشيء يُصلح الطريق، إلى أن جاء رجل بسيط ممن يحمل همَّ المدينة ويعشق ترابها ولا يعيقه صخرة في طريقها فاستفزع الناسَ ليأخذ كلُّ واحدٍ ممن حـضر جانبا من تلك الصخرة ويبعدونها عن طريق السيارة والركبان، وهكذا أخذ الناس درسا يتوارثونه ويتدارسونه.

وهكذا هو الوطن في كل زمان ومكان، ومع دوران عقارب الساعة يشـرق اليوم بشمس ينعم بها كل المواطنين فالشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا يُحرم منهما أحد، وهواء الوطن وماؤه نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، يسعون إلى أرزاقهم طالبين العون من الله تعالى، متفقين على أهمية البناء مختلفين على أدوارهم وأحيانا على القسمة بينهم.

وتأتينا جدلية بين الوطن والمواطن، فالوطن حياة نسير في ضحى نهاره، ونتنفس هواءه، ونشرب من مائه، لنبني على ترابه ونزرع جذورا تمتد في سمائه ثمرا يانعا.

هذا هو الوطن الذي ينتظر من المواطن الكثير الكثير أقلُّها أن يقوم بواجبه نحو الوطن، ويأتي المواطن ينتظر من وطنه ما يمكنه من القيام بواجبه، فتزدحم الأمور علينا مرحلة الدوران الحلزونيّ، الذي يؤدي بنا إلى جدل بيزنطي ونظرة عكسية، ويدخلنا إلى حلبة النقاش المتوازي في خطوط ضيقة تسير برِكَبِنا دونما لقاء يجمعنا وجها لوجه في حوار هادئ بنّاءٍ.

فالوطن تبنيه سواعدُ المواطن، وفي المقابل يحتاج المواطنُ إلى إدارةٍ جَمعيَّةٍ للعقل الجمعيّ، وإلى إنسانية ينتظرها المواطن من مجتمعه. وفي الأردنّ علاقات عميقة مثل غوره، وجباه شامخات مثل جباله، وآفاق ممتدة وتطلعات واسعة مثل هضابه، نأخذ من الصحراء ثباتها ومن المدينة حضارتها ومن القرية كيف نزرع من ظلام الليل شعلة، ليس هذا فحسب، فنحن نمتلك قدرات وخبرات تمكننا من مواصلة الدرب في منافسة على المقاعد الأمامية، فقط فلنترك الجدل ولنسارع إلى العمل.

فنحن الذين ننعم بحبّ الوطن والثقة البالغة فيه، لكننا أحيانا نسمع بعضًا ممن ينتابهم حبُّ الوطن ويدفعهم الخوف عليه إلى أن يقايسوا الأمور على غير أوزاننا وقياساتنا، وننسى بأن العادات والتقاليد والموارد والمصادر والمشارب والمنابت تختلف من أرض إلى أرض ومن موطن إلى آخر، مما يعني أنّ علينا واجبا تجاه زماننا وأوطاننا غير الذي كان من قبل والذي سيأتينا بعدُ.

وإننا إذا لم نتفق على البناء ولم نشرع فيه، فحتما مقضيا سندخل نفقًا مدلهمًّا نخشى فيه على أنفسنا. وأما خلاصة الأمر: فأوله وأوسطه وآخره: فلنترك الجدل ولنسارع إلى العمل.

agaweed2007@yahoo.com