طارق قديـس

فتحتُ الباب بمفتاحي كالمعتاد، دخلت إلى المنزل حيث أسكن، الغرف خاليةٌ من أيّ حركةٍ أو صوتٍ عدا صفير الريح المنساب بين شقوقٍ صغيرةٍ في النّوافذ. واصلت مروري في فراغ المكان، متجاوزاً الرّدهة إلى المرسم في الطابق السّفليّ، وخيوط أشعّة الشمس تتسلّل إلى الداخل من بين فجوات الستائر.

لا أدري أيّ خاطرٍ دفعني للنّزول إلى القبو في ذلك اليوم. دفعت الباب ببطء، سرى صوت أزيز الفصّالة الصّدئة في الظّلام كاسراً حاجز الصّمت، أضأت المصباح. بدا المرسم موحشاً وبلاطه ممزوجاً بالدّم وغبارٍ كثيف، ليس كما زرته مع جدّي قبل أكثر من عشرة أيامٍ مضت، حينما شارف على إنهاء رسمته الجديدة «ضربات القدَر». تجوّلت ببصري على الجدران، تفحصّت اللوحات المعلقّة عليها واحدةً واحدة، تأكّدت أنه ما من نقصٍ فيها، حتى تلك اللّوحات المخبّأة في مستودع سرّيٍّ مجاور، حيث اعتاد على حفظ أعماله النادرة وغير المخصّصة للبيع، قبل أن ي?عثر عليه مقتولاً في المرسم منذ أسبوعٍ بطلقٍ ناريٍّ في الكتف، وآخر في الصّدر.

الحادث في أروقة الصالونات الثّقافية والصّحف أخذ أبعاداً مختلفة، فرابطة الرّسامين وصفته بالفاجعة. عددٌ من الكتّاب طاب لهم أن يصلوا بخيالاتهم إلى حدّ الإشارة بإصبع الاتهام إلى إحدى المافيات العالميّة. أما المشتغلون بسوق اللّوحات فلم يروا في ما جرى أكثر من نتيجةٍ طبيعيّةٍ لخلافٍ في السّعر بين بائع لوحة ومشترٍ.

لكن النتيجة في المحصلة واحدة، الجاني ما زال طليقاً، ولا مشتبهٌ به حتى الآن، وأدلّة الاتهام تقارب الصفر. حتى رفْع بصمات الأصابع في مسرح الجريمة لم يُفِدْ لكثرة مَن ارتاد المكان بحجّة شراء رسمٍ، أو إقامة معرضٍ، أو تلبيةٍ لدعوة سفر.

كلّ المقرّبين من المغدور، وأصدقاؤه، ومَن ثبت أنّ لهم صلةً وثيقةً به، أدلوا بشهاداتهم دون استثناء: أنا، عمّي الذي لم أره منذ سنوات، المزارع في حديقة المنزل، مدبّر أمور المنزل غير المقيم، والكثيرون من هواة شراء الأعمال الفنّيّة في البلد. مشتبهٌ به وحيدٌ قامت باستدعائه أجهزةُ الأمن في الفترة الماضية، وهو ابن صاحب المقهى المقابل للمنزل، بعد أن شاهده الحارس وهو يهرول مسرعاً للاختباء وراء سور الحديقة وقت الحادث. لكن سرعان ما تمّ الإفراج عنه بعد أن تبيّن أنه قد قام بالتّواري عن الأنظار لإفراغ حاجةٍ ملّحّةٍ لم يطق?احتمالها والتّغاضي عما تسبّبه من ألمٍ وضيقٍ في الجسد.

جلست على إحدى الدّرجات وأنا أقبض بيدي على لوحةٍ من لوحات جدي الملفوفة، أخذت أسأل نفسي عمّن يمكن أن يُقْدم على هذا الفعل الشّنيع. إنّ جدّي ابن السابعة والثّمانين عاماً، طّيّب المعشر، انطوائيّ الطباع، قليل الكلام، وما من عدوٍّ له -كما أعلم- رغم تقلّب مزاجه وسرعة غضبه، وقد عرفته عن ظهر قلبٍ مدّة حياتي، وأنا المُساكن له وحدي منذ رحيل جدّتي التي قضت سريعاً في مرضٍ عضال، ووفاة كلٍّ من أبي وأمّي في حادث سيرٍ مفجع وهما بعد في مقتبل العمر وريعان الشّباب.

وجدتني أفتح الباب لذكرياتٍ كثيرةٍ كي تتحرّر من الحجرات المعتمة في ذهني.

جدّي في شبابه كان شديد الشّبه بالممثّل العالمي «أنتوني كوين»، وازداد الشّبه مع تقدّمه في السنّ، حتى إنّه ذكر لي ذات مرّة، أنّ امرأةً تقدّمت لطلب توقيعه على فستانها في إحدى مقاهي باريس، ولم يردعه عن التوقيع لها سوى الشّرر المتطاير من عيني زوجها وهو يشاهده ممسكاً بطرف فستانها القصير.

وجدت في الشّبه سبباً لمناداته: «أنتوني كوين». ولم أجد في عينيه ما يدلّ على الانزعاج أو الرّفض، حتى أمسى اسمَه الدارج في المنزل، خاصّةً أن التّشابه وصل في بعض الأحيان حدّ التّماهي والذّوبان، وحتى حدّ التّقمّص. وليس أدّل على ذلك مما حصل حين أرخى لحيته البيضاء، وطوّق رأسه بوشاحٍ أكثر بياضاً، بعد أن ارتدى ثوباً بدوّيّاً فضفاضاً، فظننتني أقف أمام عمر المختار بشحمه ولحمه، ملتقطاً له الصّور من زوايا مختلفة. وما كان الظّنّ حكراً عليّ، فقد وضعت إحدى صوره الأخيرة على صفحتي الإلكترونيّة من باب الفضول، وما حسبت أن الت?شابه سوف ينطلي على القراء كما حدث معي فجاءت معظم تعليقاتهم على شاكلة: «رحم الله عمر المختار»، «إنّه حقّاً مجاهدٌ حقيقي»، «كم نحتاج لمثل هؤلاء الأبطال في عصرنا هذا»، الأمر الذي جعلنا ندخل في وصلةٍ طويلةٍ من الضّحك المتناغم فور قراءتنا لها.

حجرةٌ أخرى من الذكريات أطلّت أمامي، إنها صورته وهو يحدّثني عن حبّه للريشة والفرشاة والألوان الزيتيّة، ورسم المناظر الطّبيعيّة بنوعٍ من التّصرّف، ودراسته الفنون الجميلة في فرنسا، وثرائه الفاحش المفاجئ بعد وفاة والده، واستئثاره بالتّركة كونه الولد الوحيد. وهو ما جعله يتفرّغ للعيش وسط خطوطٍ طوليّةٍ ومتعرّجة، وخيالٍ خصبٍ لا سماء له، ويقيم المعارض في الشّرق والغرب، ويشارك في الفعاليّات الثّقافيّة بدعواتٍ رسميّةٍ وخاصّة، مما جعله بمنأى عن مدّ يد العوز إلى أحدٍ من أقربائه.

نفذ من صدري زفيرٌ طويلٌ يحرق الوجدان، شعرت بوجود اللّوحة في قبضة يدي، فتحتها، إنها لوحةٌ قديمةٌ للفتاة التي أحَبّها، ليست جدّتي، فجدّتي قد ارتبط بها في ظروفٍ تقليديّة. إنها شابّةٌ فرنسيّةٌ تعرّف إليها في زمن الدّراسة والمراهقة، أحبّها بهوس، وانتظر طويلاً ليختلي بها في غرفته في النّزل المتواضع حيث يسكن، كي يروي ظمأ عينيه من تفاصيل جسدها ويفلح حنطته النّضرة بكلتا شفتيه، ويجري مسابقاً الزّمن في رسم تموّجاته طولاً وعرضاً، بينما هي تجلس أمامه على الأريكة بثيابها الصيفيّة الخفيفة. هذا ما أسرّه لي في لحظة شرودٍ ج?محٍ أدرك بعدها أنّه قد ارتكب حماقةً ما وهو يتلو على مسمعي صفات حبيبته الجميلة بشكلٍ يسيل له اللّعاب.

أدركت أن وقت استراحة الغداء من عملي انتهى، ولا بدّ من العودة بأسرع وقت، فقمت. حاولت أن ألملم الفوضى من حولي، تناولت لوحة جدّي الأخيرة المسمّاة «ضربات القدَر» عن الأرض، وقد بدا أنّ حركةً ما في السابق طرحتْها وقاعدتها الخشبيّة أرضاً. ألقيت نظرةً حزينةً عليها، هممت بحفظها في المستودع السّري، لكنّ شيئاً ما أثار انتباهي أعلى اللوحة. اقتربت منها أكثر، وضعتها تحت نور المصباح مباشرةً كي أحسّن من رؤيتي للتّجويفات والتّعرّجات في طرفها، وأمرّ عليها بأصابعي كطفلٍ يتلمّس جدران الشوارع في الظّلام. «يا إلهي!» قلت والدّهش? تحتلّ ملامح وجهي.

في الأيام التالية راجعت المركز الأمني مرّاتٍ عدة لمتابعة حيثيات القضيّة، لكنّ النّتيجة في كلّ زيارةٍ كانت تبعث على الإحباط والتّشاؤم. فالقاتل ما زال مجهولاً، وما من إجاباتٍ عن أسئلتي تزرع في قلبي الأمل بأن الدائرة قد بدأت تضيق عليه. لكنّي سمعت من حاجب المحقّق، وقد أصبح ما بيننا شيءٌ من المودّة والألفة مع توالي زيارتي للمكان، أنّه سيتمّ استدعاء صاحب جاليري شهيرٍ للتّحقيق معه بعد التّأكّد من أنّه قد تناول العشاء مع جدّي في المطعم الإيطالي القريب من منزله في اللّيلة السابقة لمقتله.

خالجني شعورٌ بالنّشوة المكبوتة، ولم يلبث أن تبدّد هذا الشعورٍ بعد أن تمّ إطلاق سراح صاحب الجاليري دون قيدٍ أو شرط.

تملّكني إحساسٌ شديدٌ باليأس، جعلني قانعاً بالنتيجة في ما لو قُيِدّ الحادث ضدّ مجهول، وذلك حتى تمّ استدعائي إلى مكتب المحقّق بعد ثلاثة أيام.

وصلت في الموعد المحدّد. دخلت إلى المكتب حين أُذن لي. رأيت عمّي هناك. تبادلنا التّرحيب ببرودة. جلست أمامه منتظراً مجيئ المحقّق وأنا ألوي شفتيّ. لم تمض دقائق حتى كان خلف مكتبه يقلّب الأوراق. أخّذ يأرجح نظراته بيننا جيئةً وذهاباً ثمّ قطع الصًّمت بقوله: «لقد عرفنا القاتل، وأظن أنّ الأمر يهمّكما». بدت نبرته مخلوطةً بالشّك، وكلٌّ منا ينظر للآخر. عندها رفع لوحة «ضربات القدَر» من على الأرض ووضعها على المكتب، وتوجّه بالسؤال إلينا إن كنّا نعلم ما الأثر المطبوع في أعلى اللوحة. لم أنطق تاركاً المبادرة لعمّي الذي لاذ ب?لصّمت هو أيضاً. عندها سارغ المحقّق بالقول: «إنها بصمات أصابع»، أخذت مساحة التّوتّر تتسع في وجه عمّي بينما هو يتساءل عن معنى ذلك، فوجد المحقّق الفرصة مواتيةً لتوجيه إصبعه إليه قائلاً: «هذا يعني أنّك أنت القاتل».

خيّم الذهول عليّ. لم أعد أسمع ما حولي من عبارات نفيٍ واتهام. كانت الصّدمة أكبر مني، فأنا لم أضع في حسباني عندما أطلعتُ الأجهزة الأمنيّة على وجود بصماتٍ غريبةٍ واضحةٍ على طرف الرّسم، كان بإمكاني أن أنسبها إلى جدّي لولا إدراكي لحرصه الزائد على أن تظهر لوحاته للعلن بلا خدشٍ أو عيبٍ أو خطأ، بأن يكون عمي هو صاحبها.

حاولت التقاط أنفاسي المتقطّعة، واللّحاق بما تبقى من تفاصيل، لكني لم أعد إلى رشدي إلا على وقع عمّي وهو يسرد اعترافه بارتكاب الجرم في حقّ والده تحت سطوة الضيق المادي، وخسارة ما رفده به من مال في صفقة مواد تموينيةٍ فاسدةٍ حاول إدخالها للبلاد بطرقٍ ملتوية، والخوف من الحبس بعد أن حرّر عدداً من الشيكات للتّجار تَبيّن لهم أنّها بلا رصيد. وهو الذي، لمّا لم يستجب جدي له لمدّهِ بمزيدٍ من المال، أطلق عليه النار، فلم يجد جدّي أمامه ملاذاً سوى أن يستجمع قواه ويمسك باللوحة كي يضرب بها ولده، ذاك الذي لم يجد مفرّاً من الإ?ساك بطرف اللوحة بيدٍ وإطلاق طلقةٍ أخرى في صدر أبيه بيده الأخرى، طلقةً كانت كفيلةً بأن تجعل منه جثّةً هامدةً على الفور.

لم أطق سماع المزيد، فطلبت الإذن بالانصراف. أذن لي، فخرجت إلى باب المركز، ومنه إلى الطريق العمومي، أخذت أهرول كالمذعور وأبتعد عن المركز أكثر وأكثر حتى غاب عن البصر، وتعثّرت بحجرٍ مهملٍ في الجوار، فقمت وجلست أنفض ما علق في ثيابي من غبار الشارع وأنا أسأل نفسي: «هل تراني حضرت مشياً إلى المركز أم إني ركنت سيّارتي قربه ونسيت أن أعود إليها؟».