فائقة قنفالي كاتبة من تونس

هل قررت ماذا تريد أن تصبح؟ السؤال الذي يُطرح في كل زمان ومكان على كل الأطفال. عادة ما يجيب الأطفال عن مثل هذا السؤال بـ: طبيب، أو مهندس، أو ميكانكي، أو رئيس.. لكن «مارتن»، بطل رواية «ريشة طائر البجع» الصادرة عن دار المتوسط عام 2018 بترجمة أماني لازار، يجيب خاله عن هذا السؤال ودون أن يفكر: «كاتبن مثلك».

كاتب، مثل خاله.. يبدو للّحظة الأولى أن هذا التبرير عفويّ ناتج عن تأثر طفل بنجاح خاله الكاتب، لكنه اختيار مبرر عقلانياً ومنطقياً اقتضته ضرورة كتابة الرواية. لنجد أنفسنا أمام رواية داخل الرواية. الرواية أو القصة التي يكتبها «مارتن» والرواية التي تكتبها «ايرنا بابنشيقا» عن «مارتن» وأسرته كمثال عن المجتمع البلغاري وتحولاته. «مارتن» الذي يرغب أن يصبح كاتباً ولم يقرر بعد ماذا سيكتب حتى يأتي اقتراح خاله: «من الأفضل أن تبدأ بتدوين يوميات عن أمور مثيرة للاهتمام حدثت لك. ستتطور كتابتك بهذه الطريقة». و«كتبتُ جملة» كا?ت على الشكل التالي: «غادرَنا والدي بادئ الأمر». الجملة نفسها التي تبدأ بها الكاتبةُ روايتها.

تتقاطع القصص والحكايا لنقف عند تناقضات كثيرة تحكم الإنسان البلغاري خاصة، والذات الإنسانية عموماً.. تناقضات تعتمدها الروائية لتطوير بنية روايتها السردية ولطرح مشاكل فرد ومجتمع تتماهى فيه التناقضات وتتجاذب.

فهناك الإيثار والأنانية، إذ تقيم الكاتبة تقابلاً بين ما تفرضه العائلة من مسؤوليات وتضحيات، وما تفرضه الذات من أنانية ورغبة في التحرر والتجدد مهما كان الثمن. يظهر هذا التقابل بوجود شخصية «لينا»، الأم الخاضعة والمستكينة لقواعد المجتمع وحرصها على البيت والعائلة. حرص والتزام حوّلا البيت إلى مجرد جدران يسكنها غرباء هم زوج وزوجة وابن لا يتحدثون، ولا يتقاسمون اللحظات، والشغف انتهى، والرغبة فترت نظراً لوجود زوجة مرهَقة ومتعَبة طيلة الوقت ورجل لم يكن لا سعيداً ولا راضياً. وبينما كانت الزوجة تفكر كيف تحافظ على بيتها?الذي تعتقد أنه مثاليّ، كان الزوج يفكر في حياته الرتيبة وابنه، فهو «لا يريده أن يستسلم مثلنا ويمضي الحياة بحبّ متهالك. أريد لابني أن يكون سعيداً. أريد أن أكون سعيداً».

وهناك الصداقة والخيانة. فقد قدمت «إيرينا بابنشيقا» نموذجين للمرأة البلغارية: امرأة تقليدية منهجها في الحياة واضح وصارم ومألوف كل شيء فيه داخل إطار واحد. العائلة والحب والصداقة والتضحية. تسير الحياة في مسار واحد مثل نهر. أما «مونيكا» فامرأة مختلفة: «هي شخصياً كانت احتفالاً وسط وجودنا الدنيوي. هكذا تحدّث عنها إيفان زوج لينا. تكره مونيكا الأطر والطرقات المستقيمة والواضحة، ترفض المضيّ على سكة واحدة. كل شيء مسموح طالما فيه منفعة خاصة وشخصية. والغاية دائماً تبرر الوسيلة».

تقرّ «لينا» أن الصداقة هي الفضيلة الأخلاقية الأجمل، وتراهن عليها، وتسامح من أجلها، وتغفر الخيانة.. خيانة «مونيكا» صديقة طفولتها التي سرقت حبيب «لينا» الأول، ولتعود بعد زمن وتسرق زوجها وتهدم أسرتها. كانت الصداقة التي تبنيها «لينا» غابة تسمح لزوارها بقطف ثمارها والاستراحة تحت ظلالها دون اقتلاع جذوع أشجارها. أما «مونيكا»، فالخيانة وجهة نظر، والصداقة كذلك. كل شيء قابل للتغير بما في ذلك المشاعر، لأن الظروف وطريقة التفكير تتغير. و«لا يمكن للإنسان أن يسبح في النهر مرتين»، باعتبار أن الغنسان هو مقياس كل الأشياء ال?ي تتغير والتي لا تتغير» على حد تعبير هرقليطس.

وهناك في الرواية أيضاً الامتثالُ والمقاومة. فكل التناقضات والثنائيات تصبّ في هذه الثنائية الأبرز. كل الشخصيات تقاوم طوراً وتمتثل طوراً آخر. فـ «لينا» التي تقاوم لبناء أسرة سوية وعيش حياة عادية، تمتثل بدورها لقواعد المجتمع وضوابطه، وعندما تتعرض للخيانة تتوقف عن المقاومة وتدخل في حالة خضوع تام للحزن ولتقريع الذات. «مونيكا» الصديقة الأنانية والخائنة كما صورتها الرواية، لم تختر هذا الطريق إلا بعد مقاومة شديدة لمشاعرها وأنانيتها، وكان امتثالها قدراً لا بد منه، ومهما كان الثمن الدي ستدفعه غير أنها كانت تفكر دوما? في المكاسب.

لقد سيطرت هده الثنائية على المجتمع أيضاً، فقد نفَذت الكاتبة الى عمق المجتمع البلغاري الذي يقاوم من أجل بيئة نظيفة وعيش مشترك ممكن واستغلال جمعي للبحيرة الطين. وهو احتجاج يعمّق الوحدة بين الأفراد على اختلاف تناقضاتهم ويجعل امتثال السلطة لإرادة المجموعة تأكيداً على نجاعة فعل المقاومة ما دام جمعياً وغايته حماية البلد.

لقد تداخلت الثنائيات والرسائل المشفَّرة في الرواية التي تنساب بين يدي القارئ مثل جدول صغير. لم تكن «إيرينا بابنشيقا» تستعرض رسائلها أو تقدّم حِكماً جاهزة، بل كانت تعرض تناقضات الذات البشرية وتشرحها على ألسن أبطالها ومواقعهم في حكاياتها وفي حكاية بطلها الصغير الذي يكتب أيضاً عن الاحتجاج لتصير قصته الصغيرة هي العبرة التي يجب أن نستخلصها من الرواية إن كان ولا بد من وظيفية تعلمية للرواية.

تبدو الرواية للّحظة الأولى، كأنها قصة حب وخيانة، لكن الحقيقة أنها حكاية عن تقلبات الطبيعة الإنسانية: خوفها وشجاعتها، قوتها وهشاشتها، أنانيتها وأيثارها، صداقتها وخياناتها، إيروسها وتيناتوسها، الرتابة والمغامرة، الشغف والبرود.

نحن نكتب لأننا نريد المقاومة باستمرار.. لأن لدينا شيئاً نريد أن نقدمه للآخر وشيئاً نقوله للآخر، فنحن معاً في الدائرة نفسها وسنكون بخير معاً فقط.. وعلينا «أن ننظر في داخلنا ونسمع صوتنا الداخلي لأنه يعرف أكثر».

تلخص الكاتبة لعبة الثنائيات هده في لعبة الداخل والخارج، «فلكل شخص ابتسامة خارجية وأخرى داخلية... الخارجية للعالم ونرسمها على وجوهنا حتى لو لم نكن نشعر برغبة في الابتسام، بينما الداخلية حقيقية، وأحياناً حتى لو لم نبتسم من خلال وجوهنا يمكننا أن نبتسم من الداخل».