د. يوسف بكّار

(1)

فحين ألّفتُ كتابي «الترجمات العربيّة لرباعيّات الخيّام: دراسة نقديّة» (جامعة قطر، الدوحة، 1988)، لم أعثر على أيّ جهد سوداني عن عمر الخيّام أو الرباعيّات؛ بيد أننّي وجدتُ بعد ذلك أعمالاً أولها «الرباعيّات الخيّاميّة في نظومات الشاعر محمد عثمان كَجَراي»؛ وهي الباب الثالث من كتاب «حصائد وإشارات: سياحات في عالم الشاعر محمد عثمان كجراي» لمصطفى عبدالله أحمد (منشورات الخرطوم عاصمة للثّقافة العربيّة، 2005)، الذي أهدانيه الصّديق الشّاعر الناقد مجذوب عيد روس.

يقول مؤلف الكتاب: «شاعرنا يعي حدود مشروعه، وهي النقولات لروح الخيّام لا التّرجمة الحرفيّة (ص50). ويقول: «التجربة... تنضاف للمنجز العربي المطروح كتراجم (ترجمات) للرّباعيّات الخيّاميّة، وهي أيضاً تنضاف لعطاء الشاعر المتواصل الذي قيّده (سجّله) كصوت شعري لم تُغْرق أوراقه ألوان الذبول» (ص52).

نظم كجراي، باعترافه هو، منظومته عن ترجمة أحمد حامد الصّرّاف النثرية. يقول: «اعتمدت على ترجمة الأستاذ أحمد حامد الصّرّاف النثريّة، وهي ترجمة دقيقة إلى حدٍّ ما» (ص54). ويصنفها، على الرّغم من هذا، «ترجمة». يقول: «قد أشرت إلى اعتمادي في (ترجمتي) على ترجمة الأستاذ أحمد حامد الصّرّاف النثريّة من اللّغة الفارسيّة» (ص15). ولم يثبت مؤلف الكتاب المنظومة كاملة، بل اكتفى بإحدى وعشرين رباعيّة دون أن يثبت أصولها «الصّرافيّة»، وأطلق عليها «نماذج من التجربة».

النماذج منظومة بقالبٍ شعريّ جديد يقلّ مثيله في شعرنا العربي المعاصر والحديث، نحا فيه أن تكون الشطور الثلاثة الأولى على «رويٍّ» واحد في كلّ رباعيّة، والشطر الأخير على رويّ آخر موحّد مختلف فيها جميعاً. وهي من بحر «الرّمل» من مثل الرباعيّة الخامسة:

«حينما كنت صغيراً كنت أعدو كالظليمْ

طالما حاولتُ أن أغـدوَ كقديّـسٍ حكيمْ

هـكذا جـرّبتُ أنْ أسـلك خطّاً مسـتـقيم

غيـر أنّـي عدتُ للباب الذي منه أتيـتْ».

وقد سبق للشّاعر القطريّ عبد الرّحمن المعاودة (1911-1997) أن نظم قصيدته «ما وراء المادّة» برباعيّاتها الإحدى والستين بهذا القالب، بفارقٍ في الشّطر الأخير، إذ جعل الرّويّ واحداً مختلفاً في كلّ رباعيّة في القصيدة كلّها التي نظمها على بحر الرّمل كذلك.

لا حيْدة -لمعرفة مدى دقّة كجراي في نظْمِ ما وصل إلينا من رباعيّاته- من أن نوازن، مثلاً، بين الرّباعيّة الثانية عشرة وأصلها في ترجمة الصّراف. يقول كجراي:

«حطّ ركبي فوق ظلٍّ تحت أغصان الشجَرْ

ومـعي كسـرة خــبـز وحبـيـب كالقـمــرْ

وزجـاجـات نـبـيـذٍ بدّدت روح الضـّجـرْ

وبحـسـبـي هـذه الجـنّـة في قـفـرٍ يـبــابْ».

ويقول الصّراف (الرباعية 68):

«كأسٌ وخمرةٌ وساقٍ في جنبِ روضةٍ خيرٌ من الجنّة التي وُعِدْتُها. لا تسمعنَّ من أحدٍ حديثَ الجنّة والنّار؛ مَن ذا ذهب إلى الجحيم ومَن ذا جاء من الجنّة؟».

لقد حافظ كجراي على بؤرة الخيّاميّة الأصل كما ترجمها الصّراف وإن لم يتقيّد بها حرفيّاً، وهو يؤكد ما تقدّم من أن منظومته هي «نقولات لروح الخيّام لا الترجمة الحرفيّة».

الشاعر كَجَرَاي -بفتح الكاف والجيم والرّاء- (1928-2003) يعني لقبُه هذا «المحارب» في لهجة «السبدرات البجّاويّة » بشرقيّ السودان. وُلد بمدينة القضارف بولاية القضارف شرقيّ السودان. نشأ نشأة دينيّة كما ذكر في مقدمة ديوانيه «الصّمت والرّماد» (1961) و«اللّيل عَبْرَ غابة النيون» (1987). وله غير هذين الديوانين ديوانان آخران منشوران، هما: «في مرايا القول»، و«إرم ذات العماد».

وقد عرض الشّاعر والناقد مجذوب عيد روس عرضاً سريعاً لمنظومة كجراي في مقاله «كجراي ورباعيّات الخيّام» (صحيفة «الرأي» السودانيّة، 21/1/2014)، حيث تحدّث بإيجاز عن الشاعر وانتماءاته السياسيّة، وذكر بعض مَن كتبوا عنه، وعرّج على اهتمام السودانيين برباعيّات الخيّام، والتي عرفوها عن ترجمة أحمد رامي وترجمة إبراهيم المازني عن فيتزجيرالد، إذ كان كتاب «حصاد الهشيم» مقرّراً على طلبة المرحلة الثانويّة في السودّان.

وأهمّ ما في مقال عيد روس أمران:

الأول، كشْفُه سرَّ اهتمام كجراي برباعيّات الخيّام كونه كان مناضلاً ثوريّاً وداعماً للثورة الأريتريّة، ناهيك بأنّ شعراء التفعيلة في السودّان اتخذوا الخيّام رمزاً وقناعاً كما عند عبد الوهّاب البيّاني مثلاً.

والآخر، كشْفُه عن منظومات خيّاميّة سودانيّة أخرى لمّا تُنشَر، هي:

1. منظومة الفنّان السوداني والخطّاط العالمي عثمان عبدالله وقيع الله المنظومة بالعامّية السودانيّة. وهي التي ذكرها، أيضاً، الروائي الرّاحل الطّيب صالح (مختارات الطيب صالح: في صحبة المتنبي ورفاقه 151:5. مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، السودان، ط2، 2010). وما زالت في حوزة أسرة الفنّان، الذي يقول الطّيب صالح عنه: «وعثمان هذا بعضُ الثروات المهمَلة في السودان الغنّي الفقير. إنّني لا أعرف كثيرين في مثل تعدّد مواهبه؛ فهو شاعر مجيد بالعاميّة والفصحى، وقد نقل رباعيّات الخيّام إلى اللغة (اللّهجة) السودانيّة الدّارجة ?ي ترجمةٍ من أجمل ما رأيت. وكان من أوائل المبعوثين لدراسة الفنون الجميلة في لندن. جاءها عام 1945، وعاد وعمل في كلية الفنون الجميلة في الخرطوم» (ص151). وهو -وقيع الله- الذي رسم اللّوحات الفنيّة لديوان «غابة الآبنوس» للشاعر صلاح أحمد إبراهيم.

2. ترجمة الفنّان التشكيلي الرّاحل أحمد الطّيب زين العابدين المزوّدة برسوم، ولمّا تُطبعْ.

3. تشطير لرباعيّات الخيّام للمهندس الرّاحل بابكر السيلاوي (من ودمدني) في سبعينات القرن العشرين؛ وهي كما يقول عيد روس «في عداد المفقود كما علِمْنا من أسرته».

(2)

للطيّب صالح نفسه مقال عن «الخيّام» (مختارات الطيّب صالح: خواطر التّرحال: 9، ص209-211. مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، السودان، ط2، 2010) نبّه فيه على تجربة فنيّة مدهشة، كما يقول، اشتركت فيها الفنّانة والرّسّامة والخطّاطة اللبنانيّة يسار نعمة صفي الدّين مع الرّسام السوداني د.راشد دياب، وأنجزا كتاباً يتضمن عدداً من رباعيّات الخيّام اعتماداً على ترجمتَي أحمد الصّافي النّجفي وعبد الحق فاضل، وصفه الطيب بأنّه «تحفة فنيّة نادرة».

وقد كتبت الفنانة يسار الرباعيّات بخط كوفيّ جميل بحيث تبدو الحروف كأنّها أصداء لمعاني الشعر. يقول الطيب على لسانها: «ملأني شغفي بالرّباعيّات حتّى أصبحتْ هاجسي الليلي. تتبّعتُ أثرها وقادني شوقي إلى ولوج أعماقها. هكذا رافقتُ الخيّام وعشت زمانه بنشوةٍ حتّى تجذّرت فيّ الكلمات. راهنتُ على اقتحام التجربة وبدأتُ مليئةً برغبة بلا حدود».

ويعلّق الطيب صالح: «الشاعر الذي يجد مَن يتأثر به تأثُّرَ السّيدة يسار نعمة بالخيّام بعد قرابة ألف عام لَهو شاعرٌ محظوظ حقّاً ».

أمّا الفنّان السوداني د.راشد دياب، الأستاذ بجامعة مدريد، والذي عاش في إسبانيا منذ زمن بعيد، فيقول عنه الطّيب صالح: أضاف أعماقاً وأبعاداً شاسعة لمعاني الشعر وخطوط السيدة يسار بألوان مدهشة، ألوان الياقوت والزّمرد والعقيق والذّهب والسندس والسماء والبحر والجبال، بحيث أن المتصفّح للكتاب يجد نفسه بالفعل في غابة أو حديقة من المعاني والخطوط والألوان يذهب فيها العقل ويتوه الخيال».

وأثنى الطيب صالح على الفنانة يسار لاختيارها الترجمتين العراقيتين، لأن «الشاعر الإنجليزي فيتزجيرالد لم يترجم للخيّام، ولكنّه أعاد صياغة شعره في قالب جديد. لذلك فإن ترجمة البستاني، رغم عذوبتها وسلاستها، تبعد قليلاً أو كثيراً عن الأصل الفارسي».

وبعد أن وازنَ بين ترجمة رباعية من ترجمة البستاني ونظيرتها لعبد الحقّ فاضل عن الفارسيّة، قال محقّاً: «واضحٌ التّجوُّز في ترجمة فيتزجيرالد التي أخذ عنها البستاني، وقد حوّلَ الشاعرَ الفارسي بتناقضاته وهمومه إلى شاعر إنجليزي رومانسي على طراز (روزني)».

ولقد فاتني حقّاً أن لا أطلع على هذا الكتاب ليكون ضمن كتابي «عمر الخيّام في مرايا المبدعين العرب» (دار شهرزاد، عمّان، 2018).

(3)

اللّافت حقّاً أن النقّاد السودانيين أكثر التفاتاً في الأدب المقارن إلى مسائل غابت عن غيرهم، ولا سيّما تأثر الشاعر والناقد الإنجليزي أميركي الأصل «تي.إس. إليوت» (1888-1965) بالشعر العربي والإسلامي.

ففي عام 1982 نشر العلّامة الرّاحل د.عبد الله الطيب المجذوب مؤلف الكتاب القيم «المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها» (خمسة أجزاء)، الذي قدّم له طه حسين والذي نال به جائزة الملك فيصل العالميّة مناصفة مع الرّاحل الدكتور عزّ الدين إسماعيل عام 1999 وكنتُ أحد المحكمين.. نشر دراسته اللافتة المثيرة «الفتنة بإليوت خطرٌ على الأدب العربي» في ثلاث حلقات بمجلة «الدوحة» القطريّة (السّنة 7، الأعداد 74 و75 و76. شباط وآذار ونيسان 1982»، والتي أشار فيها إشارة سريعة إلى أنّ إليوت نفسه ذكر أنّه كان قرأ في صباه رباعيّات الخيّام?المترجمة وأُعجب بها (الحلقة 2، ص56).

المهم، وهو ما لا نركّز عليه هنا، أن الدراسة كشفت بإسهاب عمّا في قصيدة إليوت (The Waste Land)، التي ترجمها بـِ «الأرض المقفرة» في حين ترجمها عبد الواحد لؤلؤة «الأرض اليباب» وترجمها آخرون «الأرض الخراب»، وترجمها د.مهدي علّام قبلهم جميعاً «الأرض البوار» في مقاله «ما ساهم به إليوت في الأدب الإنجليزي» المنشور في مجلة «الأدب والفن» في خريف عام 1944 (د.محمد عبد الحي: إليوت والقارئ العربي في الأربعينات. مجلة الدّوحة، قطر، العدد 45، أيلول 1979، ص36-40).. لقد كشف عمّا فيها من تأثرات إليوت بالشعر الجاهلي والإسلامي وا?أموي والعباسي، دون أن يشير في هوامشها إلى أيّ مصدر عربي وإسلامي، مفيداً من دراسات المستشرقين وترجماتهم. يقول:

«لقد أفاد إليوت من الشعر العربي إمّا من قراءة تراجم (ترجمات) له، وإما مشافهةً من معاصرين له عارفين به»، لأنه «عاش في زمن كان فيه الاستشراق العربي بين أكسفورد وكمبردج ولندن وباريس وألمانيا ضارباً بالجِران» (الحلقة 3، ص118).

وذكر من المستشرقين «السير وليم جونز» (Sir William Jones) مترجم المعلّقات السّبع والذي كان على معرفة باللّغات الشرقيّة والصينية والسنسكريتيه وآدابها وفلسفة الهند القديمة؛ و«شارلس جيمس ليال» (Charles James Lyall) في مختاراته المترجمة من الشعر العربي (Translation of Ancient Arabian) الصادرة في لندن عام 1885.

وممن ردّ عليه د.عبد المنعم الفيا السوداني، الذي أرجع ما ظنّه «سرقة» إليوت من الشعر الجاهلي إلى مصادره التي ذكرها في الهوامش وإلى تجربتيه في الشعر والحياة (مجلة الملتقى، العدد 2، 15 تموز 1982).

وما دام الشيء بالشيء يُذكر، فقد أثارت دراسة د.عبد الله الطيب المجذوب كوامن الشاعر والناقد المصري الرّاحل د.كمال نشأت فنشر مقالاً عنوانه «جناية إليوت على الشعر العربي» (مجلة الدوحة، قطر، العدد 80، آب 1982).

وفي عام 2009 نشر د.عبد المنعم الفيا نفسه بحثه «أصداء رباعيّات الخيّام في شعر تي. إس. إليوت» (مجلة نزوى، مسقط. العدد 57، يناير 2009، ص41-48) دون أن يشير إلى التفاتة د.عبدالله الطيب السريعة السابقة.

يقول الفيا: «على كثرة اهتمامي واطلاعي على ما كُتب عن إليوت، لم تصادفني سوى إشارة واحدة وردت عرضاً في كتاب (أوتار شرقيّة على القيثار الغربي) للدكتور أحمد البدوي (جامعة قاريونس، ليبيا، د.ت) ألمح فيها إلى وجود شبه بين افتتاحية قصيدة (الأرض الخراب) ورباعيّة للخيّام بحسب ترجمة فيتزجيرالد، ولكنه لم يتوقف أكثر من ذلك لاستكناه علاقة إليوت برباعيّات الخيّام، إذ كان منشغلاً بإثبات فرضيته الأساس أو ما أسماه (ماء السماء الإسلامية في الأرض الخراب)؛ وهي الفرضيّة التي يقول فيها إن إليوت أخذ فكرة الأرض الخراب من تعبير (ال?رض الموات) في القرآن الكريم. وواضح أن أحمد البدوي كان يقتفي في ذلك أثر دراسة الدكتور عبد الله الطّيب» (ص42).

المهم أن عبد المنعم الفيا بدأ كلامه على «قصّة إليوت مع رباعيّات الخيّام» بالحوار الذي أُجري مع إليوت بمجلة «ذي باريس ريفيو» ونشر نصّه العربي في العدد الأول من من مجلة «حوار» اللبنانيّة (1960). فلما سُئل عن الظروف التي دفعته لنظم الشعر أوّل مرّة أجاب: «بدأت نظم الشعر وأنا -كما أظن- في الرابعة عشرة من عمري بتأثير فيتزجيرالد في رباعيّات الخيّام، فكتبت بالأسلوب نفسه عدداً من الرّباعيّات المفعمة بروح التشاؤم والإلحاد واليأس، ولكن لحسن الحظّ أتلفتها جميعاً ولم يبقَ منها واحدة، ولم أُرِها لمخلوق».

ويذهب الفيا إلى أن هذه الإشارة ليست الوحيدة، إنما بلغ عدد المرّات التي ألمح فيها إليوت إلى رباعيّات الخيّام ستّ مرّات في مناسبات مختلفة، أهمها ما صرّح به عن دور رباعيّات الخيّام في توجيه تاريخه الشعري في سياق حديثه عن تطور الذّوق الشعري في كتابه «فائدة الشعر وفائدة النقد» (The use of poetry and the use of criticism) (ص25). حيث يقول، مثلاً: » أذكر أن رغبتي في الشعر الذي يحبّه الصّغار عادةً قد تلاشت ببلوغي سنّ الثانية عشرة، فظللت لبضع سنوات بلا رغبة في قراءة الشعر، إلى أن التقطت بالصدفة ذات يوم وأنا في الراب?ة عشرة نسخة من رباعيّات فيتزجيرالد المترجمة عن عمر الخيّام كانت ملقاة جانباً. فكانت المفاجأة أنْ غمرتني هذه القصيدة بدفق مباغت من الأحاسيس بدا فيه العالم أمامي زاهياً متأنقاً تظلّله ألوان برّاقة ممزوجة باللذة والألم» (ص43). ويقول: «لست بوذيّاً، ولكن بعض نصوص البوذيّة القديمة تأسرني مثلما تفعل بعض نصوص العهد القديم من الكتاب المقدّس. بل ما زلت أجد متعة في قراءة الخيام فيتزجيرالد برغم أننّي لا أشاركه نظرته البسيطة للحياة» (ص44).

قد يكون هذا وغيره من اعترافات إليوت وتأثراته بالخيّام مبعثَ مقولة الناقد «ساوثام» (B.C-Suotham) أن ليس غريباً «أن نعثر على صور وأنغام وتفاصيل الرباعيّات الخيّاميّة في قصائد: بروفروك، وصورة سيّدة، والرباعيّات الأربع، وقصيدة جيرونشن» (A Guide to the selected poems of T.S.Eliot. Faber and Faber، 1944). وراح عبد المنعم إلفيا، ليدلّل على تأثر إليوت بالخيّام، يقارن بين نماذج من شعر الشاعرين، كالذي في قصيدة إليوت «صورة سيّدة» (Portrait of Lady). ففي حين قال الخيّام، مثلاً: «جاء الرّبيع وردة في اليد والزّهرة تذوي ?لأبد» قال إليوت: «حيث تزدهر (الليلاك) تلفّ زهرة حول إصبعه أثناء الحديث»؛ وكالذي في قصيدته «أغنية حبّ ج. ألفريد بروفروك» (The love song of J.Alfred prufrock). فقوله فيها «حين المساء يتمدّد على السماء»؛ ترديد لقول الخيّام «حين الفجر مدّ يده اليسرى على المساء»، وكالذي في تأثره بالخيام في قصيدة «الرباعيّات الأربع» (Four Quarters)، وغير هذا.

وقد قرأ صلاح محمد علي من السودان بحث د.عبد المنعم الفيا ولخّصه في مقاله «ت.إس. إليوت ورباعيّات الخيّام» (14 شباط 2017، Sudanilecom 2018).

وليس بفائتي، وفقاً لما نهجتُه في كتابي عن الترجمات العربيّة للرباعيّات إذ عدّدتُ حتّى مَن ترجم رباعيّة واحدة مترجماً لأن ليس ثمّة عدد ثابت متفَق عليه من الرباعيّات القليلة أصلاً في بداياتها، ليس بفائتي أن أعدّ د.عبد المنعم الفيا واحداً من مترجمي الرّباعيات، لأنه ترجم في بحثه رباعيتين للاستشهاد عن ترجمة فيتزجيرالد (ص46 و47). بهذا يكون عدد المترجمين والناظمين السودانيين خمسة إلى الآن.

وقَمينٌ هنا، ما دام الكلام على تأثر الغربيين بالخيّام، أن يُشار إلى مقولة الكاتب والشاعر الفرنسي «تيوفيل غوتيه» (Theophile Gautheir): «إن كلّ الأناشيد في رواية (هملت) لشكسبير يمكن وجودها مبعثرة في رباعيّات الخيّام».

بالعودة إلى إليوت، فلربما قاد اعترافه السابق بأن بعض نصوص البوذيّة كانت تأسره إلى الكشف عن تأثراته بالأفكار الهنديّة هو الذي فصل القول فيه «راجاني شاما» في بحثه (الأرض الخراب لـِ ت.س. إليوت»: وجهة نظر عن الأفكار الهنديّة) الذي ترجمه د.رمضان الصبّاغ إلى العربيّة (مجلة إبداع، القاهرة، الإصدار الرّابع، العدد 5، كانون الثاني-شباط 2019، ص205-215).

وممّا ورد في هذا البحث: «فإن الأفكار الهنديّة، وبخاصة الهندوسيّة والبوذيّة، قد مارست تأثيراً واضحاً ومثيراً لا يمكن إغفاله على عقل إليوت عندما كان يعمل على (الأرض الخراب)»، وهو ما يتواءم مع اعتراف إليوت نفسه: «منذ فترة طويلة درستُ اللغات الهنديّة القديمة. وبينما كنت مهتمّاً في ذلك الوقت بالفلسفة بشكل أساسي قرأتُ قليلاً من الشعر أيضاً؛ وأنا أعلم أن شعري يَظهر به تأثير الفكر الهندي» (ص206).