وليد سليمان

الوقوف في عرفة من أحد المناسك المهمة في الحج.. وإن من أعظم أعمال هذا اليوم المبارك «يوم عرفة» هو الدعاء:

ندعوك اللهم سواء كنا مع الحجاج سنقف يوم عرفة على هذا الصعيد المبارك.. او في أي مكان لآخر.. بالرحمة بنا.. فأنت ربنا وخالقنا ومُنعمنا.. لك الحمد الكثير والحب العظيم.

حملتنا على الارض وسببت لنا كل مواكب الخير والأمان تحت ظلك البهي.. وبينت لنا طرق السلامة والهدى للوصول الى غاية السعادة في الدنيا والآخرة.. فأنت الذي صنعتنا من لحم ودم وعقل لنفوز ببساتين الراحة والرضا.. وفصَّلت لنا الفصول للعيش الرغيد والخير العميم من أنواع نعمك الوافرة.. فلك الثناء حتى ترفق بنا في كل زمن وفي كل حال.

"اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا كبيرا، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني رحمة أسعد بها في الدارين، وتب عليَّ توبة نصوحا لا أنكثها أبدا، وألزمني سبيل الاستقامة لا أزيغ عنها أبدا.

اللهم انقلني من ذل المعصية إلى عز الطاعة، واكفني بحلالك عن حرامك وأغنني بفضلك عمن سواك، ونوِّر قلبي وقبري، واغفر لي من الشر كله، واجمع لي الخير.

اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم يسرني لليسرى وجنبني العسرى، وارزقني طاعتك ما أبقيتني، أستودعك مني ومن أحبابي والمسلمين أدياننا وأماناتنا وخواتيم أعمالنا، وأقوالنا وأبداننا وجميع ما أنعمت به علينا».

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة»، وليس بشيء معين إنما بما تيسر للحاج من أية أدعية لله تعالى.

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير).

ومن المعروف أن الحاج في هذا اليوم» يوم عرفة» العظيم ينشغل بالتلبية والذكر، كما ويكثر من الاستغفار، والتكبير والتهليل، ويلح في الدعاء والابتهال، والتضرع إلى الله بالتجاوز عن الزلات وغفران الذنوب والخطايا.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة، ينـزل الله تعالى إلى سماء الدنيا، فيباهي بأهل الأرض أهل السماء، فيقول: انظروا إلى عبادي، جاؤوني شعثًا غبرًا ضاجِّين، جاؤوا من كل فجٍّ عميق، يرجون رحمتي، ولم يَروا عقابي، فلم يُرَ يومًا أكثر عتقًا من النار، من يوم عرفة.

وفي يوم عرفة عندما يدخل وقت الظهر يخطب الإمام بالحجاج.. والاستماع إلى الخطبة ليس وجوبًا بل من سنن النبي عليه الصلاة والسلام، وفي الخطبة يعظهم الخطيب ويرشدهم، ثم يصلون الظهر والعصر جمع تقديم.

ومن الأخطاء التي قد يقع بها الحاج في يوم عرفة، والتي قد تُضيع الأجر والثواب أن بعض الحجاج يستقبلون جبل عرفات في أثناء الدعاء ولكن السُّنة استقبال القبلة.

خطبة حجة الوداع

روى البخاري عن جابرِ بنِ عبد الله رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجَّة الوداع أتى عرفة فوجد القبَّة قد ضربت له بنَمِرة.. فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له.

فأتى بطن الوادي فخطب بالناس وقال: إنَّ دماءَكم، وأموالَكم حرامٌ عليكم، كحرمةِ يومِكم هذا، في شهرِكم هذا، في بلدِكم هذا.. ألا كلُّ شيءٍ من أمرِ الجاهليةِ تحت قدَميَّ موضوعٌ ودماء الجاهلية موضوعة.. وإن أوَّل دمٍ أضعُ من دمائِنا دمُ ابنِ ربيعةَ بن الحارث، كان مسترْضِعًا في بني سعْد فقتلتْه هُذَيل.. ورِبا الجاهليةِ موضوعٌ.. وأوَّل ربًا أضعُ من رِبَانا رِبَا العباسِ بن عبدالمطَّلب؛ فإنَّه موضوعٌ كلُّه.

واتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمانةِ الله، واستحللتم فروجَهنَّ بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحدًا تَكرَهُونه، فإن فعَلْن فاضرِبوهن ضربًا غير مبرِّح، ولهن عليكم رزقُهنَّ وكسوتُهنَّ بالمعروف، وقد تركتُ فيكم ما لن تَضِلُّوا بعده- إن اعتصمتم به- كتابَ الله، وأنتم تُسْأَلون عني، فماذا أنتم قائلون؟! قالوا: نشهَد أنَّك قد بلَّغت، وأدَّيت، ونصحتَ. فقال رافعاً بأصبعه السبابة إلى السماء: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد.

دروس وعبر

فبعد أن فتح المسلمون مكة المكرمة، وبلّغ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- الرسالة، دخل الناس في دين الله أفواجاً، وتعلّموا من نبيهم محمد -صلّى الله عليه وسلّم- كلّ ما يخص صلاتهم، وصيامهم، وأمور حياتهم، وفي أواخر السنة التاسعة للهجرة فرض الله–تعالى- الحج على المسلمين، حيث قال:

(وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً). وكان النبي–صلّى الله عليه وسلّم- قد أتمّ تعليم المسلمين كلّ عباداتهم، ولم يبقَ إلّا تعليمهم كيفية أداء مناسك الحج، فقرّر النبي -صلّى الله عليه وسلّم- الذهاب للحج، وأعلن الخبر للمسلمين، فلمّا بلغهم الخبر، توجّهوا من كلّ مكانٍ نحو المدينة المنورة، كلّهم يريدون رفقة رسول الله–صلّى الله عليه وسلّم- في الحج.

وقد أطلق علماء السيرة على حجّة النبي -صلّى الله عليه وسلّم- عدداً من الأسماء، منها (حجة الإسلام، وحجة البلاغ، وحجة الوداع).

وقد سميت بحجة الوداع؛ لأنّ النبي–صلّى الله عليه وسلّم- ودّع الناس فيها، حيث قال النبي -صلّى الله عليه وسلّم- لمعاذ بن جبل -رضي الله عنه- قبل خروجه إلى اليمن: (يا معاذُ إنَّك عسى ألَّا تَلقاني بعدَ عامي هذا لعلَّك أنْ تمُرَّ بمسجدي وقبري)!!.

أهم المبادئ الإنسانية

والجدير بالذكر أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- خطب بالناس في حجة الوداع خطبةً بليغةً، فيها العديد من الدروس والعبر، وقد أوضحت هذه الخطبة أهم المبادئ الإنسانية التي إن التزم الناس بها، وليس المسلمون فقط، فسوف يكونون سعداء في الدنيا، ويبنون حضارات أخلاقية.

فقد حملت هذه الخطبة وصايا خاتم الأنبياء والمرسلين، ويمكن القول أنها ملخص لأهم المبادئ التي دعت إليها تلك الرحلة الطويلة من الدعوة إلى الله والتي ابتدأها سيدنا آدم عليه والسلام، واختتمها محمد صلى الله عليه وسلم.

وأول ذلك هو التأكيد على حرمة دم الإنسان، وعلى حرمة ماله. وقد شدَّد رسول الله بالتأكيد على هذا الأمر، وشبه حرمة الدم والمال بحرمة اليوم الحرام في الشهر الحرام في البلد الحرام.

بعد ذلك انتقل الرسول إلى التأكيد على أمرين مهمين هما: تأدية الأمانات لأصحابها كاملة غير منقوصة، وتحريم التعامل بالربا، لما يتسبب به من تشاحن وتباغض، وتحاسد، وتدابر بين الناس، ولما فيه من استغلال القوي للضعيف المحتاج.

وقد وضع الرسول الكريم كل أنواع الربا، وابتدأ بربا عمِّه العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه.

ثم انتقل رسول الله بعد ذلك إلى التأكيد على واحد من أهم المبادئ التي يتحدث بها العالم كله اليوم شرقاً وغرباً، ألا وهو حقوق المرأة، حيث شدد الرسول في خطبة الوداع على أهمية التعامل الحسن مع النساء، وعلى ضرورة إعطائهن كل ما يطلبنه من حقوقهنَّ المشروعة.

بعدها أكَّد الرسول الأعظم على أهمية انتشار الأخوَّة بين أبناء المجتمع الإسلامي، ومن مظاهر هذه الأخوة أن لا يأخذ الأخ من مال أخيه شيئاً، فالأموال حرام على من لا يملكها.

كما أبطل رسول الله في هذه الخطبة عادات الجاهلية القبيحة، وأكد على معيار التفاضل الجديد بين الناس ألا وهو التقوى، فلا فضل لأحد على أحد آخر إلا بالتقوى، والله تعالى هو المطلع على القلوب والعالم بأحوال الناس، وهو وحده الذي يعلم من عمَّرت التقوى قلبه وكيانه.

فما أحوج المسلمون اليوم إلى الاستفادة من مضامين هذه الخطبة التي حددت الخطوط العامة في العلاقات بين المسلمين خاصة، وبين بني البشر عامة.