حمد محمد السنباطي شاعر وروائي مصري

ليلة صيفية ساهرة. حديقة ذات أسوار عالية تنضح بمصابيح ملونة. مدعوون من علية القوم في ملابس السهرة. طرابيش تهتز ذيولها مع كل التفاتة. الآنسة أم كلثوم ستغني في حفل تكريم خاص بأحد النبلاء أو الوجهاء.

كاسات تدور في صحة كل هؤلاء.

قمرٌ يتحرك خلف السحاب لا يشغله شيء.

بين الحين والحين مصافحاتٌ وتَعَارف وأحيانًا عناق.الليلة حفل تكريم خاص بأحد النبلاء أو الوجهاء من علية القوم. ومن الذي سيحيي الحفل؟

الآنسة أم كلثوم. الترقب الجميل يجتاح قلوب المحفل الراقي. وتَصَادَفَ وجود الشاعر أحمد شوقي باشا في ذلك الحفل كأحد المدعوين الكبار. أنصتَ إليها للمرة الأولى بعد أن سمع عنها من يمتدحها امتداحًا،وسبح في مجال تحليقها العلوي منجرفًا في تيار آهاتها وارتجالاتها الخلابة، وما إن انتهت من شدوها تاركة المجال لغيرها ليقدم ما عنده من فن، وجلست لتستريح بعض الوقت لتعاود نشاطها وطربها من جديد، حتى جاءها النادل بكأس طلبها لها أحمد شوقي. انبهرت أم كلثوم بتقدير شوقي باشا لها وتحيته التي لا تقدر أن ترفضها، فتناولت الكأس وقربتها من شفتيها لتوهمه أنها تشرب، وإن كانت في الحقيقة لم تفعل. هكذا رآها وفهم ما حدث وغفر لها عدم شربها من كأسه، وأعجب بذكائها اللماح، كما أعجب من قبل بغنائها الذي لا مثيل له، وأخرج الشاعر ورقته وقلمه ليخلد تلك اللحظة، وكتب عن الحمامة التي كانت تهدل أروع هديل. كتب عن أم كلثوم وأرسل لها القصيدة الوليدة مع نفس النادل فقرأتها ورأت اسمَها يتكرر أكثر من مرةٍ في أبيات القصيدة فارتعشت رعشة فرح لم تحس بها من قبل. أمير الشعراء يكتب عنها ويذكر اسمها في أبياته ويتمنى لو تغني له. هذا ما فهمَته من ذكره ذلك في قصيدته بالفعل. أجل. كأنما يترجاها أن تغني بعضًا من أبياته. بل إنه يذكر اسمها في القصيدة! هذا مؤكد، صراحة وبدون مواربة. مرات. تلك حقًا ليلة من ليالي العمر لن يتطرق إليها نسيان.

ومرت سنون...

وذات يوم كانت أم كلثوم تبحث في خزانتها عن شيء، أو ربما كانت تقَلِّب ما انحفر من الزمن وتَكَلَّسَ في الأركان القديمة والزوايا المضببة، وعندما قلبت صفحات كتاب قديم عثرت على ورقة مطوية، لم تكد تفردها أمامها حتى سرت الرعدة في أصابعها أولًا ثم انتشرت في جسدها كله وانتقلت الرعدة إلى فنجان التيليو الدافئ الذي كانت تتناوله دون شعور. القصيدة التي كتبها عنها أميرُ الشعراء رحمة الله عليه لم تضع كما ظنت ولم تنسحق في المجهول. كانت قد بحثت عنها طويلا دون جدوى، مراتٍ ومراتٍ. ها هي بين يديها الآن. بخط الرقعة الصارم الجميل، بالقلم الكوبيا الذي لا تبهت سطوره. أخذتها إلى الشرفة وكأنما تمسك بفراشة رهيفة الجناح، واقتعدت الشيزلونج في نور الضحى وراحت تقرأ:

«سلوا كئوس الطلا هل لامست فاها

واستخبروا الراح هل مست ثناياها»

وساءلت نفسها: عني يتحدث أم عن الحمامة؟ يطلب منهم أن يسألوا الكأس إذا ما كانت قد لامست فمَ الحمامة؟ أم فمي؟ وأن يستجوبوا الخمر هل مست أسنان الحمامة!! أم أسناني؟...

وتناولت رشفة التيليو الأخيرة، وكان المطر الخفيف قد شرع يضرب زجاج الشرفة حيث لا شمس في المكان وإن كانت شمسٌ أخرى لا تقل أهمية تبزغ من الورقة التي في يدها.

«باتت على الروض تسقيه بصافية

لا للسلاف ولا للورد رياها»

واضح تمامًا أن الشاعر يتحدث هنا عن الحمامة، ولكن ربما يكون الكلام عني أنا! ألم يكن الحفل الذي أعطاني فيه هذه الورقة مُقامًا في حديقة؟! ألم أكن أنا التي أسقي الروض بغنائي؟

«ما ضر لو جعلت كاسي مراشفها

ولو سقتني بصافٍ من حُمَيَّاها»

ماذا يريد الباشا الشاعر أن يقول؟ ما الضرر في أن ترتشف الآنسة من كأسي الذي قدمتها إليها؟ ربما. لكني أفهم شيئًا آخر: ما الذي يمنع أم كلثوم من أن تغني من أشعاري بدلًا من غنائها الشعر القديم؟ لماذا لا ترتشف من كأس أشعاري أنا؟!

وهزت رأسها مقتنعة.

وفي البيت التالي قرأت:

«هيفاء كالبان يلتفُّ النسيم بها

وينثني فيه تحت الوشي عطفاها»

وابتسمت بفخر وهي تُسِرُّ لنفسها: لا يمكن وصف الحمامة بالصفة هيفاء، بل كان يقصدني أنا؛ فأنا طويلة رشيقة كعود البان والحمامة لا تكون كذلك.

«حديثها السحر إلا أنه نغم

سرت على فم داود فغناها»

وتساءلت: أيكون الحديث للحمامة أم للآنسة التي هي أنا؟!

وهنا وصلت إلى البيت المدوي الصريح الذي لا مواربة فيه:

«سَلْ أمَّ كلثومَ مَن بالشجو طارحها

ومن وراء الدجى بالشوق ناداها»

فترحمت على الشاعر ودموعها تسيل. الورقة ترتعد في يدها وصورته وهو يسلم عليها بعد الحفل متلهفًا، وتشجيعه لها وهو من هو... كل هذه الأطياف عادت تعانق خيالها. الورقة في مهب الريح بين أناملها وجعلت تقرأ:

«ألقت إلى الليل جِيدًا ناصعًا وَرَمَتْ

إليهِ أذنًا وحارت فيه عيناها

وعادها الشوقُ للأحباب فانبعثت

تبكي وتهتف أحيانًا بشكواها»

ثم وصلت إلى خاتمة المطاف، وبيت القصيد، ودرة النشيد:

«يا أمَّ كلثومَ أيام الصبا ذهبت

كالحلم، واها لأيام الصبا واها»

فانبعثت تبكي ولا يوقفها عن البكاء إلا خوفها على الورقة الثمينة أن تتلفها الدموع الساخنة.

**

أعربت أم كلثوم للموسيقار رياض السنباطي عن رغبتها في غناء «سلوا كئوس الطلا»، وكانت قد أعطته كلماتها مكتوبة بخطها هي لأنها لا تفرط في الأصل المكتوب بيد أمير الشعراء.

- أعجبتكَ الكلمات دون شك يا أستاذ رياض!

- مؤكد تعجبني كلمات أمير الشعراء، وهذه القصيدة تحديدًا توافق هواي لأن قافيتها مطواعة ويمكن أن نتلاعب بها لَحنِيًّا كما نشاء.

- أرى تعبيراتِ وجهِكَ تريد قولَ شيء. أنا أعرفكَ جَيدًا.

- أجل، القصيدة بوضعها الراهن يمكن تلحينها أفضل تلحين بشرط أن يغنيها مطرب آخر!

- مطرب آخر غيري؟!

- أجل غيرك!

- وأنا؟!

- لا يعقل أن تغني أم كلثوم لأم كلثوم جهارًا نهارًا! كيف تذكرين اسمك مرات في أغنية تغنينها؟! غيرك يفعل لا بأس، أما أنت؟! هذا غير ممكن.

- ألم تلتق بالأستاذ رامي منذ مدة؟! ظننته أعطاك الكلمات بعد التعديل. لقد حذف اسمي تمامًا من أبيات القصيدة.

- برافو، ما دام الأمر كذلك فلا بأس.

- بدلًا من: يا أمَّ كلثوم أيام الصبا ذهبت... كتب رامي: يا جارة الأيك أيام الهوى ذهبت

- الله، رائع... جميل جدًّا تعبير يا جارة الأيك!

- سألته لِمَ أطلقَ عليَّ هذا اللقب...

هز رياض السنباطي رأسه مستفهمًا ومنتظرًا التفسيرَ، فقالت الست:

- تعرف أن القصيدة تتحدث عني وعن الحمامة

- أعرف، المزجُ بينكما واضحٌ تمامًا

- والحمامة هي جارة الأيك، الذي هو الشجر الكثيف الملتف

- أجل، هذا مؤكد.

وفي لحظة رفع رياض السنباطي طربوشه عن رأسه وحرك منديله على شعره ثم وضع راحة يده بمواجهة وجه أم كلثوم قائلا:

- انتظري! انتظري! سأقول لكِ

- هل توصلت إلى المغزى يا أستاذ رياض؟

- انتظري، سأقولُ لكِ: أعرف أن الأيك أحد ألقاب معهد الموسيقى الذي أدرِّسُ فيه آلة العود، وأنت بالتالي جارة الأيك لأن بين الغناء والموسيقى وشيجةٌ عظيمة. أجل يا سيدتي: أنتِ جارة الأيكِ بل أيقونته المتألقة.

- أنت عبقري يا أستاذ رياض، ولا أتردد في تكرار وصفك بهذا.

- بل العبقري هنا هو الأستاذ رامي الذي أبدع في تغيير الكلمات.

- هكذا أنتَ دائمًا يا أستاذ رياض: لا تقبلُ من أحدٍ أن يمتدحك، ومع ذلك لا تتوقف عن مديح غيرك. أنت ورامي الجناحان وأنا بفضلكما أطير.

- طيري وغردي يا حمامة الأيك ونحن معك دائمًا نحلق باتجاه الشمس.