كتب: خالد قوقزة

سِنديانة من سِنديانات الحارات المنسية، جذورها ثابتة، وفرعها يُعانق عَنان السماء، ونسمَة من نسايم جبال الحارات تريح النفس وتُرطّب القلوب. تلك هي نورة الحناوي ام سليمان صاحبة الحصان الابيض الرفيق الدائم الذي كان يحضى بدلالها وعطفها وحنانها. فلا نراه الا ماشيا بجانبها، ونادرا ما نراها متمطية متنه. بل وفي كثير من الاحيان كانت تذهب لكرمها دونه وتتركه في (حوش دارها) وكان يعرف ميقات عودتها، فيذهب لملاقاتها في الطريق.

وصاحبة (قَطّة المِعزى) تلك (المنايح) التي كانت لا تفارقها في حلِّها وترحالها ما بين الكروم والحارات، حيث بيتها العتيق الذي تركها به ابو سليمان مبكرا دون رجعه، لتجاهد الحياة وتواجه قسوتها لوحدها، تلك المعز و(فطايمها) التي تعلمت السير بالطريق دون اي تعليمات او توجيهات، وتعرف كيف ومتى تدخل زريبتها (الصيرة) دون أن يُقال لها :... ....... (إخسيكواه.... او فوتي جعلك للجعام..).

نورة امرأة كباقي نساء الحارات المنسية، تعلمت من المجالس قبل المدارس، اجادت الإعتماد على الذات، لا على المعونات الوطنية او على راتب التنمية الإجتماعية، خُبزها من زرِع يدها، وثوبها من نَسْج يدها. فاسُها عَقدَ إتفاقا معها على أن لا يفارق يدها، ومنجلها لزم طيلة فترة الحصاد كفها الذي لا تشتم منه الا رائحة سنابل القمح والشعير وأجراس (القطانة من عدس وكرسنّة). وكل تجعيدة من تجاعيد وجهها تحكي لنا قصة من قصص كفاحها، ومن قصص عشقها للارض الذي روتها بعرقها وأفنت بها جُلّ حياتها. وبين طيّات (بوشيتها) ألف حكاية وحكاية لو تمعنّا بها لأخذنا منها عِبراً عن ماضٍ تليد وزمن جميل رغم قساوته.

قبل الرُعاة تجهّز خبز بيتها وزوادة مشوارها اليومي، فتُسابق كل اصحاب الكروم. وعند عودتها يستقبلها أولاد الحارات فرحين، حيث حبات التين حلوة المذاق، وحبات الخوخ والإيجاص الناضجة. فقد عوّدتهم كل مساء على ان يتذوقوا من نتاج كرمها الذي اعطته فأعطاها ولم تبخل عليه فأكرمها. فهذا فلاح يتجه اليها من بعيد فتقول له قبل ان يبادرها باي كلمة: لا تچفّل الحصان يا جدِّة، هاك حبتين تين وأجغَصهن. فيضع حبة التين بفمه ويبقى يرمقها حتى تختفى بدخلة بيتها. وذلك عودة يُقبِل عليها والابتسامة تملأ (شِدقية) فتقول له: دير بالك تفطط المعزى والفطايم، أُقلط جاي وهاك حبّة إنجاص حلّي إسنانك بيها...

وعند وصولها (حوش بيتها العتيق) ينتظرها حفيدها مهند، فتحتضنه بين ذراعيها بكل حنان، وكانها من زمن طويل لم تره. فـ(تمُد) يدها بجيب (شرشتها) التي لازمتها من زمن طويل، فتعطيه قرشا وتقول له: روح اشتري إمخشرم من عند الحج موسى ودير باك وإنت حادر لا تتطرجل بالدَبشِة اللي على زقُم السِنسِلِة. فياخذ القرش وكانه أمتلك كنوز سليمان، فيعود مبتهجا و (شليله) مليء بحبات (إمخشرم).

إرتحلت نورة الى بارئِها، و لم يستطع حصانها على البقاء وحيدا بعدها. فمات بعدها. لكن صورتها بشرشتها السوداء وحطة راسها المُقصّبة لا زالت مُرتسمة بمخيلات كل أبناء الحارات المنسية الذين صاروا رجالا. وصهيل حصانها لا زال يُدوي في آذانهم. وطعم منتوجات كرمها لا زال لذتُها (تحت أسنانهم).

رحم الله نورة أم سليمان ورحم كل من ماتوا من رجالات ونساء الحارات العتيقة، وسقيا للحارات ولكرومها التي أصبحت بُورا، وأقتُلعت أشجارها وبُنيت مكانها دورا.