عمّان - جوان الكردي أحياناً.. قد لا يكون تميُّز الشباب مرهوناً بالدراسة الأكاديمية.. فلربما كان العمل المهني بوابةً واسعة جداً للنجاح والتميز.. خصوصا إذا ما اقترن بالرغبة والتدريب الجيد والمستدام. بكر علي بدران (23 عاما) هو واحد من أولئك الشباب الذين وجدوا أنفسهم في التدريب المهني.. وفي مهنة أحبها وتعلق فيها منذ صغره.. وهي مهنة الطبخ. قبل خمس سنوات تقدم بكر لامتحان الثانوية العامة (التوجيهي) للفصل الأول ولم يحالفه الحظ فقرر أن يختصر الوقت والجهد ولم يكمل الفصل الثاني.. لصعوبة التوجيهي في ذلك الوقت (بعهد وزير التربية والتعليم آنذاك الدكتور محمد الذنيبات). ومع أنه لم يوفق في امتحان التوجيهي، إلا أنه كان مجتهدا في الدراسة، وكان معدله في الصف الأول ثانوي ٧٤ تخصصاً إدارة معلوماتية. كان بكر يعشق مهنة الطبخ ويحلم بأن يكون طباخاً (شيف) يشار إليه بالبنان، ووجدها فرصة سانحة ليبدأ تنفيذ حلمه. وهو منذ الصف السابع الأساسي كان يعمل في كل عطلة مدرسية مساعد طباخ.. وتعلم من الطباخين الذين عمل معهم الكثير.. «كانت المهنة جميلة جداً وما زالت.. كنت أحب أن أنفق على نفسي وأعتمد عليها وأستقل بذاتي مادياً وعرفت قيمة المال.. وأحسست بحجم المسؤولية الملقاة على كاهل والدي وكيف يتعب حتى يؤمن لنا لقمة العيش.. الحمدلله كان وضعنا المادي جيداً.. والأمر لا يستدعي أن أشتغل..». بعد أن ترك (التوجيهي) أحب بكر أن يطور قدراته ويعمل على مستوى عالٍ وبكفاءة أكبر.. قرأ عن برنامج يدعم الشباب في قطاع السياحة والفندقة.. أحب الفكرة وقرر أن يسجل في البرنامج الذي تنفذه مؤسسة التدريب المهني وبدعم من الوكالة الأميركية للإنماء الدولي (USAID) لمدة ٦ شهور. كان التدريب رائعاً والمدربون ذوي كفاءة عالية. وجاء وقت توزيع المتدربين بعد انتهاء التدريب على المطاعم والمستشفيات والفنادق المشاركة في البرنامج لمرحلة التطبيق العملي لستة شهور أخرى. ولأنه كان مثابراً جداً، جرى توزيعه بعد إنهاء التدريب في فندق (خمس نجوم) بعمان. التدريب كان شاقاً جداً، «حراثة» على حد تعبير بكر. تماما كأنهم موظفون وبراتب شهري خمسين ديناراً فقط.. لم يكن هذا ما يزعج بكر، بقدر ما أصابه بالإحباط أن توزيعه جاء في مكان غير المكان الذي يرغب فيه ويهواه وهو المطبخ. إذ عيّن في خدمة نظافة الغرف (هاوس كيبينج). وعندما يئس من إمكان نقله إلى المطبخ، ترك التدريب هناك، وانتقل إلى مستشفى خاص، ولحسن حظه كان هذا المستشفى ذا مستوى عال في خدمة الطعام والشراب. ومع أن فترة التطبيق العملي يجب (وفق البرنامج) أن تكون ستة شهور، إلا أنه تدرب ثلاثة أشهر. بذل بكر مجهوداً كبيراً في التدريب، ما لفت انتباه الشيف الرئيسي.. الذي نسّب بتعيينه.. منذ هذه اللحظة بدأ طموحه يتحقق.. وشعر بأنه بات لِزاماً أن يكبُر ويتقدم في المهنة.. وبدأ من أدنى السلّم ( يدعى في عالم الطبخ شيف كومي 3)... وبعد فترة من العمل الجاد استلم قسم اللحوم بالكامل.. عمل بكر في دوامين؛ في المستشفى.. وفي مطعم قريب منه بشارع الجامعة الأردنية وكان يدير المطبخ فيه.. ويشتغل بمعدل ١٨ ساعة في اليوم. وليوفر الوقت سكن في نفس المنطقة، ولم يكن يستطيع زيارة أهله إلا مرة واحدة، أو مرتين، في الشهر.. «كنت أحس نفسي مغترباً.. وأتعب كثيرا في العمل وبالكاد أنام لسويعات.. فقط حتى أحقق الحلم المنشود..». بعد أن أمضى ثلاث سنوات ونصف السنة في المستشفى ارتأى بكر أنه من الضروري أن ينتقل للعمل في الفنادق التي يحمل العمل فيها خبرة ومعرفة أوسع في عالم الطبخ. التحق بفندق الشيراتون عمان.. «وهو من أكبر وأشهر الفنادق في المملكة والعالم» وفق قوله، وأحس بأنه في الطريق الصائب. بكر راض عن نفسه وعن الطريق «الصعب والشاق» الذي اختطّه لنفسه ومشى فيه.. وهو مقتنع أنه «لا يوجد إنسان يستطيع أن يدّعي الكمال.. أو يكتفىي من التعلم والتطور.. كل يوم يستطيع أن يتعلم شيئا جديدا». طموح بكر الآن أن يصبح شيفّاً معروفاً على مستوى العالم «مثل الشيف بوراك والشيف نصرت والشيف جيمي أولفر» «من يريد أن يحقق طموحه وحلمه عليه أن يبذل أقصى جهده.. فالحلم لا يأتي مجانا أو بسهولة ويسر..» يقول بكر.. ويتابع: «كلما ازددت ثقة بنفسك ازداد نجاحك وكان الطريق لتحقيق أهدافك ممهداً، فالثقة بالنفس هي القوة التي تولّد لدينا القدرة والطاقة للإقدام على فعل ما نريد؛ إضافة إلى الإيمان بالذات والعلم والمثابرة وعدم الخوف من الفشل».