أبواب - زياد عساف

خيرا صنعت المخرجة كاملة أبو ذكري بتجسيدها لفكرة وشخوص فيلم «ملك وكتابة »، إذ تطرقت من خلاله لمسألة في غاية الأهمية نادرا ما تناولتها السينما العربية فيما يخص الطالب الجامعي والعربي تحديدا، وما يعانية من اساليب التعليم التقليدية واعتمادها على مبدأ الحفظ والتلقين الذي يحول من تنمية القدرات الابداعية للطالب، وتتجلى هذه الصورة في شخصية الاستاذ الجامعي باكاديمية الفنون «محمود عبد السلام» أو محمود حميدة، واسلوبه التقليدي الرافض حتى لأية اضافات تتضمنها ابحاث الطلبة من خارج المنهاج.

ولم تتوقف معاناة الطلبة على المناهج التقليدية السائدة التي تفرضها السلطة التعليمية، وتعدت لحالة التلقين والإملاءات التي تصدرها السلطة الاجتماعية والسياسية والدينية،وبرز لدينا نماذج عديدة من الطلبة هي بحد ذاتها شخصيات تبحث عن مؤلف تناولتها العين السينمائية بمجموعة افلام لتؤول في أغلبها الى نتيجة مفادها ان حياة الطالب تكشف اشكاليات واسقاطات مجتمع كامل بكافة احباطاته وأمانيه.

حي شعبي..

وكما سبق لم تختلف أغلب مناهج التعليم العربية بجمودها وتقاليدها عن مناهج الحياة وما تمليه من تعاليم وتقاليد قاسية على الصعيد الاجتماعي، وكلما حاول الطالب كسر هذه القوالب تواجهه العديد من التحديات، منها ما يستطيع تجاوزه،وأخرى تفرض حالة من الجمود ما يحجِّم ويلغي احلام واماني جميلة لم تبرح خيال الطالب ذات يوم وهو على مقاعد الدراسة الجامعية.

التفاوت في المستوى الاجتماعي والمادي بين الطلاب كان واحدا من المحاور التي تناولتها السينما العربية، (القلب له احكام)، أحد هذه الاعمال وتؤدي به فاتن حمامة دور طالبة في كلية الطب، تعيش حياة الفقر لدرجة معاناتها من انقطاع المياه ضمن مجريات الحياة اليومية في حي شعبي قديم، وتجمعها قصة حب بزميلها في الكلية (احمد رمزي) ابن الطبقة الثرية التي تسكن في ارقى الأحياء، هذا الفيلم تم انتاجه عام 1957 ولم تختلف الرؤيا التي يطرحها عن فيلم خلي بالك من زوزو انتاج بداية سبعينيات القرن الماضي، ويحكي قصة الطالبة الجامعية زوزو (سعاد حسني) ابنة شارع محمد علي اقدم الاحياء الشعبية في القاهرة، وتعاني من نظرة زملائها الاستعلائية في الجامعة كونها ابنة راقصة، ويطرق الحب بابها مع اول لقاء يجمعها بالمخرج الشاب (حسين فهمي) ابن الطبقة الارستقراطية.

ورغم بساطة الموضوع في كلا الفيلمين، الا ان الايجابية الوحيدة تكمن في ان هذه الشخصيات يجمعها عش الزوجية في النهاية ما يعني تخطي مفهوم التمايز الطبقي بين فئات المجتمع بكافة اطيافها.

وبصورة مغايرة جاء محتوى ومضمون فيلم (انا لا اكذب ولكن اتجمل) 1981، مع (احمد زكي) الطالب الجامعي المتفوق من اسرة فقيرة تسكن في المقابر،ويعمل والده حفارا للقبور وامه خادمة في البيوت، وفي الوقت نفسه يتظاهر امام زملائه بأنه من اسرة غنية، وتربطه علاقة عاطفية مع (اثار الحكيم) الطالبة وابنة الاستاذ الجامعي القاطنة في ارقى احياء القاهرة، الا انه لا يخبرها بحقيقة وضعه الاجتماعي، وعندما تكتشف حقيقته تفرض التقاليد الاجتماعية الممنهجة شروطها هنا ويكون الفراق هو سيد الموقف في النهاية.

أعباء..

التلقين الذي يفرضه الأب وما يتضمنه من تعاليم صارمة يشكل معاناة للأبناء، و يقع العبء الاكبر على الطلاب منهم خاصة الحالمين بتحقيق طموحات تتنافى مع فكر ومعتقدات الأباء، عماد حمدي ادى هذا الدور باقتدار عندما وقف حائلا امام رغبة الابن (عبد الحليم) عندما قرر الارتباط بزميلته نادية لطفي بفيلم (الخطايا)، وعاد ليؤكد هذه الشخصية المتسلطة والمتناقضة في الوقت نفسه بفيلم (ابي فوق الشجرة) مع عبد الحليم ايضا، وعندما جاء للاسكندرية ليبعد ابنه عن اجواء الملاهي والسهر، كانت النتيجة ان وقع الاب في المستنقع ذاته.

يحيى شاهين او سي السيد نموذجا اخرا للأب المتسلط في ثلاثية نجيب محفوظ، وهو يلقي تعليماته الصارمة لابنائه ومنهم كمال (نور الشريف) الطالب الجامعي المثقف الذي يحلم ان يصبح فيلسوفا وينتهي في حقل التعليم بمدرسة ابتدائية.

مواجهة..

العلاقة مع المرأة واحدة من الاشكاليات التي تعكس الواقع الاجتماعي والمتمثل في الصراع بين ما تفرضه التقاليد والاعراف الاجتماعية تجاه النساء من جهة، والرغبات والمشاعر الانسانية من جهة اخرى، وكانت وما زالت ساحات الجامعة واحدة من اهم الاماكن التي تبرز هذا الواقع، ويبدأ الطلبة شبان وشابات بمواجهته منذ السنة الأولى لالتحاقهم بالدراسة.

شباب امرأة «واحدا من اهم الأفلام التي ناقشت هذا الموضوع بتصور ذكي ومدروس على يد المخرج صلاح أبو سيف عام 1956، وتبدأ احداثه مع الطالب امام (شكري سرحان)، الشاب المتدين القادم من الأرياف للإلتحاق بكلية دار العلوم، ويسكن في منطقة القلعة الشعبية لضيق أحواله المادية، ويستأجر غرفة بسيطة عند شفاعات (تحية كاريوكا) المرأة المتسلطة التي ترمي شباكها حوله، وهو القادم من بيئة محافظة ويفشل في اقامة علاقة معها بطبيعة الحال.

شجرة اللبلاب..

بفيلم (عاشت للحب) 1959 المأخوذ عن قصة (شجرة اللبلاب) لمحمد عبد الحليم عبدالله، يعاني حسني (كمال الشناوي) من عقدة تجاه المرأة افقدته الثقة بالنساء عموما جراء معاناته من تسلط زوجة الاب، وسلوكها المشين في الوقت نفسه، يلتحق في كلية الطب بالقاهرة وتنشأء علاقة عاطفية مع ابنة الجيران البسيطة زينب (زبيدة ثروت)، الا انه يُسقط على شخصيتها صورة زوجة الأب، ويدخل في صراع ما بين مشاعره الانسانية والعقدة النفسية التي لازمته منذ الطفولة.

وعودة تفرض نفسها لفيلم (ملك وكتابة) 2004، اذ يعاني الاستاذ الجامعي (محمود عبد السلام) من خيانة زوجته له ما يبقيه في حالة جمود كاسلوبه في التعليم الذي يطبقه على تلاميذه، الا ان علاقته بـ (هند صبري) الفتاة التي تهوى التمثيل وتنتقد اسلوبه في التعليم في البداية، تتحول لعلاقة عاطفية وانسانية بينهما بعد ذلك، وتساهم الفتاة بإخراجه من هذه العزلة عن كافة مناحي الحياة والتي تحول من تطوره وتطور تلاميذه بطبيعة الحال، وتعيده للصورة الطبيعية المنفتحة التي يجب ان يكون عليها الاستاذ الجامعي والانسان عامة، وفي نهاية الفيلم يدخل للمحاضرة مبتهجا وعلى غير عادته، وباسلوب ودي يسأل الطلبة اذا كان لاحدهم اي سؤال حول المنهاج المقرر، ما يثير استغراب تلاميذه وهو الذي كان لايقبل فكرة الحوار معهم قبل ذلك.

في بيتنا رجل..

عندما تواجه الاهتمامات السياسية للطالب بإملاءات وممنوعات يحظر تجاوزها، يبدأ الصراع بين احلام الطلبة بالتعبير عن ارائهم والتصادم مع السلطة السياسية التي لاتقبل التغيير وتلزمهم بالتنفيذ دون نقاش أو اعتراض، وكأنها صورة اخرى للطالب وما يعانيه من التلقين والحفظ في المناهج التعليمية المقررة، ما يزيد من العبىء الذي يحمله الطالب ليكون عائقا مماثلا يحول دون الابداع والتطور.

اما كيف عبرت السينما العربية عن هذه القضية، فالأمثلة كثيرة ونجحت بعض الأفلام بنقل الصورة الحقيقية لهذه المعاناة واهمها ما تم انتاجه بفترة الستينيات والسبعينيات.

بفيلم (في بيتنا رجل) 1961 يؤدي ابراهيم حمدي (عمر الشريف) دور الطالب والناشط السياسي، وتقع احداثه قبل ثورة يوليو 1952 بأيام قليلة، حيث يلجأ لبيت زميله محيي زاهر (حسن يوسف) الذي ليس له اي اهتمامات سياسية هربا من البوليس البريطاني وتتداعى الاحداث بعد ذلك، وتنتهي بوفاة ابراهيم حمدي اثناء تفجيره لمعسكر بريطاني في نفس الليلة التي بدأت معها احداث ثورة يوليو باعتبارها الامل بفجر جديد حسب رؤية الكاتب احسان عبد القدوس ومخرج العمل هنري بركات.

بيت الطالبات..

وفي مثل هذا النوع من القضايا والإشكاليات لابد من العودة لفيلم (القاهرة 30) انتاج عام 1966،يقدم المخرج صلاح ابو سيف أيضا ثلاثة نماذج من طلبة الجامعة وهم: الطالب المثقف الملتزم سياسيا واللامبالي والانتهازي.

فيلم بيت الطالبات 1967 للمخرج احمد ضياء الدين، يقدم ايضا نماذج لمجموعة من الطالبات من طبقات اجتماعية مختلفة قدمن للدراسة في القاهرة، وتتنوع احلام كل واحدة في تحقيق تطلعاتها سواء كانت العلمية أو المادية ويصطدمن بواقع المدينة وإشكالياتها.

(الكرنك) واحد من اهم الاعمال السينمائية المدرجة ضمن مفهوم الفيلم السياسي، أثار هذا الفيلم جدلا واسعا لدى الجمهور والنقاد منذ عرضه عام 1975 ولغاية الان، ويتطرق لمعاناة الطلبة من الجنسين مع السلطة السياسية في مصر وتحديدا بعد هزيمة 1967، وما تعرضوا له من قمع وتعذيب في السجون والمعتقلات.

وعن علاقة السلطة بالطالب وما فرضته عليهم من قيود وضغوطات بمرحلة الانفتاح التي بدأت في مصر مطلع السبعينيات أرَّخ المخرج محمد خان لهذه الفترة من خلال فيلم (زوجة رجل مهم) انتاج 1988 ويعتبر واحدا من اهم اعماله.

جسّد الشخصيات احمد زكي في دور (هشام) المقدم ضابط المباحث، وزوجته منى (ميرفت امين) الرومانسية الحالمة والعاشقة لأغاني عبد الحليم، وتلتحق للدراسة في الجامعة فيستغل ذلك بحكم مهنته وشخصيته المتسلطة باستدراجها للحصول على المعلومات لمعرفة النشاطات التي يقوم بها احد إملائها من الناشطين السياسيين في الجامعة، ويتم اعتقاله مع غيره من الطلبة وذلك بالفترة التي وقعت بها احداث ما أطلق عليه بانتفاضة الخبز التي عاشتها مصر في يناير 1977 احتجاجا على رفع الدعم عن سلع اساسية.

في الحرم الجامعي..

في مقابل هذه الاعمال التي اقتربت من واقع الطلاب واحلامهم، انتجت السينما العربية مجموعة من الأفلام بعيدة جدا عن هذا الواقع، وتم توظيف شخصية الطالب بافلام استهلاكية عديدة ينحصر دوره بـ (الحبِّيب) وافلام الأكشن المسلية ومنها: نمر التلامذة 1964، شقة الطلبة 1967 واذكياء لكن اغبياء 1977.

ومن الافلام الأخرى الحديثة نسبيا والتي صورت في الحرم الجامعي، واقتربت نوعا ما من قضايا تمس حياة الطلبة ولكن باسلوب لايخلو من الحس التجاري بهدف تسويق العمل، ومن بينها فيلم الباشا تلميذ 2004، ويتحدث عن ظاهرة ترويج وتعاطي المخدرات بين الطلبة، وقبل ذلك كان فيلم: صعيدي في الجامعة الامريكية 1998 لمحمد هنيدي، او خلف الدهشوري الصعيدي الحائز على منحة للدراسة في الجامعة الامريكية، ويتخلل الفيلم علاقات عاطفية وانسانية وبروز الحس الوطني ضمن سيناريو العمل.

مشاهد لا تنسى..

مع كل فيلم متميز لا بد من مشاهد مؤثرة تبقى عالقة في اذهان المشاهدين، وعن الأجمل فيما يتعلق بالاعمال السينمائية التي تطرقت لاّمال واحلام الطلبة، تبقى في الذاكرة تلك المشاهد التي تعبر عن تمرد الطلبة على الواقع المفروض والمحطة الاولى بهذا الخصوص تعيد للذاكرة فيلم (الباب المفتوح) عندما تتمرد الطالبة الجامعية ليلى (فاتن حمامة) على سلطة الأب والعريس معا، بعد ان فرض عليها والدها المتشدد الارتباط باستاذها الجامعي التقليدي وغير المنتمي، تتحدى هذه القيود وترفض الارتباط باستاذها، وتتوجه للعمل السياسي والوطني وذلك في خضم الاحداث التي عاشتها مصر في اواسط الخمسينييات.

افتحوا الشبابيك..

في المشهد الأخير من فيلم (الكرنك) ويجمع بين الطبيبة زينب (سعاد حسني)، وهي تأخذ بيد زميلها في الجامعة وخطيبها سابقا اسماعيل (نور الشريف)، مصطحبة اياه باتجاه المستشفى لمعالجة جرحى حرب اكتوبر، وتوجه له هذه الكلمات المشجعة وهو الخارج للتو من مرارة هزيمة 1967: «ورانا حاجات كتير لازم نعملها.. وبعدين نقعد نفكر باللي حصل.. ونقدر نقيِّمه».

و ايضا من المشهد الاخير لفيلم قهوة المواردي 1982، يقف طالب الطب شعبان (ممدوح عبد العليم) موجها كلامه لأهل حارته في دعوة للمقاومة والنهوض:

(يا اهل المواردي.. افتحوا الشبابيك)، ويتجاوب اهل المواردي مع هذا النداء ويبدأون بإطلاق الحمام من الشبابيك مع زغاريد النسوة وصوت سيد درويش وهو يستنهض الهمة لدى اهل مصر:

«قوم يا مصري مصر دايما بتناديك.. خد بنصري.. نصري دين واجب عليك».