أبواب -غدير سالم

يمر الإنسان بأوقات عصيبة، تجعله مجبراً على اتخاذ قرارات معينة، من الممكن أن تغير مسار حياته ومستقبله، ولذلك يفكر الشخص كثيرا قبل اتخاذ أي قرار، نظرا لما يترتب عليه من نتائج قد تبدو له جيدة أو سيئة.

التردد والإحساس المؤلم الناتج عن الصراع بين خيارين قد لا يكون بالضرورة أمرًا سيئًا؛ إنما هي طريقة الدماغ لإبطاء الأمور واتخاذ القرار بشكلٍ أفضل والحدّ من العواقب السلبية التي قد تنشأ على إثره وتتبعه، ما يؤكّد أنّ التردد هو سمة حتمية للآليات العصبية التي تدعم عملية اتخاذ القرار، ولكن كيف يمكننا النظر إلى التردد المبالغ فيه والذي قد يكون مرضيًّا في كثير من الأحيان، وهو ما يدعى «أبولومانيا»؟.

يقول أخصائي الصحة النفسية الدكتور عمار التميمي: «التردد هو عدم قدرة الفرد على المفاضلة بين خيارين، وهي حالة طبيعية عند جميع البشر في اتخاذ القرارات لا سيما في الأمور المصيرية والصعبة كقرار الزواج والعمل والهجرة والانتقال من وظيفة لأخرى».

ويرى التميمي أنه :«قد تصبح هذه الحالة شديدة أو مرضية يُطلق عليها في عالم الطب النفسيّ مصطلح أبولومانيا (شلل الإرادة) أو هوس التردد واتخاذ القرار، وهنا يصبح عند الفرد شبه شلل كامل في اتخاذ القرارات حتى لو كانت غير مصيرية، وتافهة لا تتطلب قدرة عالية على اتخاذ القرار مثل تحديد لون اللباس». ويلفت أنه: «إذا أصبح التردد حالة مرضية يكون له جذور تمتد إلى مراحل الطفولة، ونحن نعلم أن مرحلة الطفولة تؤثر في البناء النفسي للفرد».

ويشير إلى أن: «الطفل عبارة عن صفحة بيضاء، وهذا لا يعني أن الإنسان لا يرث استعدادات من خلال جينات أسلافه، لكن التردد يأخذ طابع التعلم المكتسب الناشىء عن عملية التربية، فالطفل الذي ينشأ في أسرة فيها نوع من الخوف والنقد واللوم الزائد أو حتى الدلال المفرط قد تتطور مشكلة التردد لديه في المستقبل حتى في أبسط القرارات».

ويعزو ذلك إلى أنه:«لم يعتد ببساطة أن يتحمل مسؤولية قراراته، فهناك من يتخذ عنه القرارات لأسباب قد تكون متعلقة بحماية زائدة، خوف شديد، لوم مبالغ فيه، نقد لاذع، فيصبح الطفل مجمدا لا يستطيع اتخاذ قرار إلا بمساعدة الآخرين». ويضيف التميمي: «تصبح هذه الصفة ملتصقة في شخصيته، فتؤثر على سائر حياته، وبالذات عندما يكبر».

ويشير إلى أن: «التردد مرتبط بثقة الإنسان بنفسه، وفي الصورة التي يحملها عن نفسه من أفكار ومعتقدات، فعندما يحمل أفكارا و معتقدات وقيم غير ثابتة نجد هناك ترددا وعدم ثقة في اتخاذ القرار، ويكون السبب هو الخوف من توجيه اللوم له خصوصا إذا اتخذ قرارا وترتب عليه تبعات سلبية لأنه اعتاد أن يتخذ قراراته مستعينا بالآخرين»، وينبه إلى أن: «ثقة الفرد ومفهومه عن ذاته والقيم والإتجاهات التي يحملها في شخصيته ورواسب الطفولة والمكتسبات من خلال عملية التربية جميعها تؤثر ببروز مشكلة التردد».

وينوه التميمي إلى أنه: «حتى نحرر أبناءنا من التردد لا بد من إشراكهم في إتخاذ القرارات حتى لو كانت في الأمور البسيطة في البداية، كالتي تتعلق باللباس والطعام والهوايات، ويجب أن نخلق دائماً حوارا مع الطفل مثل «أيهما تفضل؟» مع شرح ميزات وعيوب كل قرار إذا اتخذه، وهنا نركز على الآلية التي نساعد الطفل فيها على اتخاذ قرارات يتحمل فيها المسؤولية».

ويوضح أنه: «يجب إشراك الطفل وتعزيز قدرته على تحمل المسؤولية في سنوات مبكرة فهذا يساعد على تحمله مسؤولية قراراته، وعلينا أن لا نعطي أبناءنا حلولا جاهزة، وأن نقول للطفل «ما رأيك لو أتخذت هذا القرار، ماذا سيحصل؟».

ويبين التميمي: «هذا لا يعني أن لا يستشير الإنسان، لكن هناك مرحلة يحتاج فيها الفرد أن يتخذ قراراته ويتحمل مسؤوليتها لأنه سيصل إلى مرحلة لا يحتاج فيها مساعدة الآخرين، ولكن إذا تم تعزيز هذا التردد منذ الطفولة عند الفرد فقد يحمله حتى يكبر ويسبب له مشكلة حتى في أبسط الأمور التي يواجهها في حياته، وإذا تطور هذا التردد بشكل كبير قد يتعزز ويتطور لديه مرض «الأبولومانيا» هوس التردد في اتخاذ القرارات».

ويقول أخصائيون نفسيون إن: «المصابين بإضطراب «الأبولومانيا» طبيعيون على النطاق الجسدي والعقلي، لكن حين يواجهون أبسط الخيارات في حياتهم، كالذهاب للمشي أو تناول وجبة من الطعام، يتعرضّون إلى مشاكل نفسية هائلة تصل إلى حدود القلق الشديد والصعوبة في استعادة العمل الوظيفي الجسدي والنفسي الطبيعيين».

وتقول التربوية المتخصصة في مجال الإرشاد والصحة النفسية نجوى حرز الله: «حياتنا مليئة بالخيارات وعلينا أن نختار من بينها، فعملية اتخاذ القرار مهارة علينا أن نتدرب عليها منذ الصغر».

وتضيف :«لكن أحيانا هناك ما يمنعنا من اتخاذ القرار المناسب مثل عدم وجود معلومات كافية عن موضوع ما فنصاب بالحيرة، بالإضافة إلى عدم القدرة على التأني في اتخاذ القرار بمعنى التسرع المؤدي إلى نتائج سيئة».

وترى حرز الله أنه: «كثيرا ما نتردد في إتخاذ القرار فنضيع فرصا عديدة في حياتنا، لأننا لم نعتد منذ الصغر على اتخاذ القرارات المناسبة لنا، لذا علينا عدم اتخاذ القرارات مجاملة لأشخاص آخرين، ولا أن نتخذ أي قرار من أجل حل مشكلة ما، ويجب أن نبحث دائماً عن بدائل، وأن لا يكون قرارنا هو البديل الأول دائماً، وأن نستفيد من تجارب الآخرين، وأن نشاركهم بعض القرارات».

وتشير إلى أنه: «يجب علينا كأولياء أمور تدريب أطفالنا على مهارة اتخاذ القرار، على أن يدرك الطفل مشاعره وكيفية إدارتها حتى لا تسيطر عليه في عملية اتخاذ القرارات، وعلينا تدريبه على التخطيط لكل مشكلة وهذا يعتمد على عمر الطفل بحيث نقدم له بدائل يختار منها».

وتشدد على أنه: «علينا أن نسأل الطفل عن الحل الذي اختاره، هل هو مناسب للموقف أم لا؟، وفي المقابل علينا أن نحترم ذات الطفل، بحيث يصل لمرحلة الرضا عن نفسه عند اتخاذ القرار، وتعويد الطفل على سلوك التفكير من خلال الممارسة».