هنري ميلر كاتب ورسام أميركي من أصل ألماني ولد في نيويورك سنة 1890 وتوفي سنة 1980.

وكان قد انتقل إلى باريس وألَّف عدة روايات كانت أولها «مدار السرطان» التي نشرت عام 1934، ثم روايته «ربيع أسود عام 1936, ورواية «مدار الجدي عام 1939, وكتب أخرى حتى أصبحت تتصدر لائحة الكتب الاكثر مبيعا في العالم, لما فيها من جرأة نادرة، ويجمع هنري ميلر في أدبه الروائي بين القصة والسيرة الذاتية والنقد الاجتماعي والنظرة الفلسفية والتصوف.

وفي كتابه هذا المعنون بِ» الكتب في حياتي» يحكي عن أهمية الكتب كتجربة حيويّة، ويشدّد على ضرورة العودة إلى ينبوع الحياة الذي تُستقى منه الكتب والحكايات والحِكم والعِبر.

ويحاول ميلر أن يجيب عن سؤال حول أهمية الكتب, وذلك عبر سيرة ذاتية ثقافية يتحدث فيها عن علاقته الحميمة بالقراءة منذ أن كان طفلاً، وعلاقته مع مؤلفين معاصرين أثّروا في تجربته، وأشخاص آخرين يسمّيهم «الكتب الحيّة» ممن قدّموا له حيواتهم وأفكارهم وأفعالهم، بعد أن جرّبوا الحياة بشكل كامل.

ويؤكّد ميلر أنّ الهدف الرئيس من كتابه هو تقديم الثناء حين يكون مُستحقّاً، وهو يعرف سلفاً استحالة تحقّق مهمّته، لكنّه يذكر أنّ ما يحفّـزه هو المعرفـة القليلة عن التأثيرات التي تشكّل حياة الكاتب وعمله.. ذلك أنّ الكتاب بالنسبـة للمؤلّف هو شيء يجــب أن يُعاش.

ويعتبر ميلر لقاءاته مع الكتب, كلقاءاته مع ظواهر أخرى في الحياة أو الفكر.. ويجد أنّ رؤيته لنفسه كقارئ كأنَه رجل يشقّ طريقه في الأدغال، ويذكر أنّ حياته في قلب الأدغال علّمته أشياء قليلة عنها.

وأنّه لم يكن يرنو إلى العيش في الغابة وإنّما الخروج منها.. و يعتقد أنه ليس من الضروري السكن في غابة من الكتب أوّلاً، بل أن تكون الكتب مساعدة ودليلاً في شقّ الطريق عبر البرية.

ويتألّف كتابه من فصول هي:

كانوا أحياء وتحدّثوا معي.

القراءة المبكرة.

بليس سندرار.

رايدر هاغارد.

جان جيونو.

تأثيرات.

الكتب الحيّة.

أيّام حياتي.

كريشنا مورتي.

سهول إبراهيم.

قصّة قلبي.

رسالة إلى بيير لوسدان.

القراءة في التواليت.

كُتّاب أثّروا فيَّ أكثر من غيرهم.

ويفصح ميلر عن عاداته في القراءة, ويُفصّل مراحل قراءاته إلى القراءة المبكرة ثمّ القراءة أيّام الفتوّة، وبعدها القراءات المتأنّية.

ويذكر أسماء الكثير من الكُتّاب الذين كان لهم حضور في تشكيل ذائقته وذاكرته.

و في كتابه هذا يتوجّه الى بعض الكُتاب برسائله، فيرسل رسائل إلى الراحلين منهم!! حيث يُقرّ بفضلهم، ويناقشهم في بعض أفكارهم وطروحاتهم.

وتكون تلك الرسائل في الوقت نفسه موجّهة إلى قرّائه المستقبليّين المفترضين، وهي بمثابة مفاتيح لولوج عالمه والتعرّف على المؤثّرات التي بلورت شخصيّته ووعيه، والتي يعيد صوغها وطرحها بطريقته الخاصّة المؤثّرة.

ويصف ميلر أولئك البشر المؤثّرين بأنّهم كتب حيّة مرتحلة، ويصف جانباً من علاقته معهم وتأثّره بهم في رحلته مع الكتب، وكيف أنّهم كانوا يضيفون إليه معارف جديدة ويكشفون له جوانب كانت خفيّة محجوبة عنه أو أنّـه كان غافلاً عنها.

ويبدو ميلر ساخطاً على الطريقة الكلاسيكيّة في تدريس الأدب وتعليمه!! حيث لا يتّفق مع تلك الرؤى المقيّدة للإبداع، والتي تشير إلى محاكاة الأدباء الكبار في أساليبهم، مما يحجب عن الدارسين سبل الاجتهاد ويسدّ الطريق إلى الجديد المختلف.

ويؤكد أنّ أعظم درس ينبغي تعلّمه في هذا العصر الذي يؤمن بأنّ هناك طريقاً مختصراً إلى كلّ شيء، هـو أنّ الطريق الأصعب هو الأسهل، على المدى الطويل!!.

وعن الجائزة الأهمّ التي يحصل عليها أيّ كاتب، يرى أنّها تكمن في تحويل القارئ إلى صديق شخصيّ حميم، وأنّ إحدى المتع النادرة التي يعيشها هي أن يتلقّى مثل تلك الجائزة من قارئ مجهول.

وعن الحقيقة والخيال يشير الى أنّ الحقيقة أغرب من الخيال!!! لأنّ الواقع يسبق الخيال ويتضمّنه.

ويعتقد أنّ ثمّة بعض الكتب تمنح إحساساً رائعاً كمثل أفراد نادرين في الحياة.

ويرى أنّ بعض المؤلّفين الذين ماتوا منذ وقت طويل هم أقلّ موتاً من الأحياء, أو ما يعبّر عنه بقوله: «المبدعون الأكثر حياة بين الأموات»!!.

وحقيقة أن تكون كاتباً يعني أن تنصرف أكثر من معظم الناس الآخرين إلى صقل الخيال.

ويقول ان الحياة نفسها تقدم مادّة وافرة بغزارة فائقة.. فكلّما كتب المرء قلّ تحفيز الكتب له.

ويعتقد ميلر أنّ ما يجعل الكتاب يعيش هو «التزكية من قارئ إلى آخر». كما يعتقد أنّ البشر يجاهدون دوماً كي يشاركوا الآخرين في تجاربهم الأكثر عمقاً.. وأنّ الكتب هي أحد الأشياء التي يحتفي بها البشر بعمق.

ويركّز على ضرورة تناقل الكتاب عبر الإعارة والاستعارة كي يظلّ متداولاً حيّاً، وأنّه كلما كان الإنسان أفضل فإنه يشارك الآخرين بسهولة في أملاكه الأكثر أهمّيّة.

ويصف الكتاب بأنّه ليس صديقاً فحسب.. بل إنّه يصنع الأصدقاء!! فحين تمتلك كتاباً بعقلك وروحك فإنّه يغنيك.. ولكن حين تمرّره للآخرين فإنّك تغتني ثلاثة أضعاف!!.

ويؤكّد أنّ معظم الكتب تتقاطع مع بعضها بعضاً، ويكون رأيه الصادم حين يقول: «الكتب الفريدة نادرة، ربّما هي أقلّ من خمسين، في مخزن الأدب العالمي كلّه»!!!.