أبواب -وليد سليمان

كرست الفنانة والأديبة زهيرة زقطان حياتها للحق والجمال والنضال والدفاع عن الأرض المقدسة، أرض آبائها وأجدادها فلسطين..عبر القصص والروايات والأشعار ولوحات التطريز والبحث في آثار وتاريخ الكنعانيين القدماء.

أرض كنعان

«كنعانيون» كلمة خالدة، إنها ّ الاسم القديم الذي اُطلق على الفلسطينيين قبل نحو أربعة آلاف سنة قبل الميلاد, وتلك بداية وجودهم كأمَّة وشعبٍ وكيانٍ في أرض سوريا الكبرى.

وقد أطلق الإغريق اليونانيون هذا الاسم عليهم, وكلمة كنعان تعني الشَّعب الأحمر, وذلك لاكتشافهم صبغة اللَّون الأحمر في النَّسيج والملابس, ولم يكن يوجد هذا اللون في الملابس لدى أي شعب قبل ذلك.

كما أطلقت هذه الصفة على مَن تواجد على السَّاحل اللبناني (الفينيقيين) وهي أيضاً تعني اللون الأحمر, كما أطلق اسم اليبوسيِّين على بُناة القدس العرب، وعلى سكان مناطق بيت إيل أي منطقة رام الله وأريحا.

والفنانة زقطان عاشت تبحث عن إجابات حول بدايات أولى للتاريخ الفلسطيني!! حيث العديد من الوثائق الكنعانية والمكتشفات الأثرية التي تقلب الكثير من المفاهيم المتعارف عليها منذ قرون، وذلك من أجل الحفاظ على الهوية الفلسطينية وتراثها الخالد, الذي يجب ان ينتقل من جيل إلى جيل.. فالإسرائيليون يحاولون كل جهدهم محو كل الحقائق التاريخية لإنتاج تاريخ مزور لهم على ارض فلسطين.

تتصدى زقطان عبر مشروعها الفردي» الكنعاني» لجمع ما أمكن لها من المكنونات الثقافية والاجتماعية والدينية والتراثية والعمرانية والأسطورية التي كانت شرائع وقيماً لمجتمع كنعاني حضاري منذ ما قبل الميلاد بآلاف السنين.

فكل مكونات الحياة الكنعانية القديمة هي إرث حضاري مميز حيث: الزخارف المحفورة على جدران المعابد, وعلى ألواح الطين, والنسيج, وأصباغ الأرجوان، والأنوال الخشبية, في البيوت, والحِكم والأمثال, وأسلوب العمارة, وأماكن العبادة, واكتشاف الأبجدية, والتطريز الشعبي العريق الذي اشتهروا به.

ماذا في أوغاريت!

وكل ذلك كشفت عنه حفريات «أوغاريت» في سوريا منذ حوالي 100 عام، لنلاحظ ان أوغاريت كانت لها علاقة قديمة بأرض كنعان أي فلسطين.

وهذا موضوع كبير لم يأخذ حظه من العناية والدرس!! بسبب هيمنة أتباع المدرسة التوراتية على معظم مراكز الأبحاث التاريخية والآثارية في العالم، وهذا يحتاج الى الكثير من الإنصاف التاريخي.. وإلى الكثير من الباحثين والدارسين الجدد الموضوعيين لأن تاريخ فلسطين القديمة المغيَّب يبدأ من حفريات «أوغاريت».

كانت «أوغاريت» البئر التأريخية الأولى»، للمنطقة كلها بما فيها اليونان، حيث كانت المدن الفلسطينية تبعث كل تقاريرها ورسائلها لتحفظ في مكتبة «أوغاريت» أولى مكتبات العالم التي عُثر عليها في 88 تلة في رأس شمرا بمنطقة اللاذقية، وهي مليئة بالرُّقم وحفريات البلاط والمسلات وغيرذلك.

ومنذ حوالي 40 عاماً كانت تلك الأثريات القديمة جداَ أضواء ومشاعل نورٍ رائعة تستدل بها زقطان للدخول إلى عالم كنعان والكنعانيين القدماء.

ومن خلال حفريات ووثائق أوغاريت ذهبت زقطان في طريقها نحو أصالة أرض فلسطين العربية.. تلك الآثار التي تُرجمت إلى الفرنسية في مجمع لوفان وتل العمارنة وفي ماري وتل الحرير، ومنها ما هو موجود مترجماً في متاحف العالم.

وكان علماء الآثار الذين بدأوا بالتنقيب والبحث في عام 1929 في رأس شمرا «أوغاريت» موضوعيين ومنسجمين مع أخلاقيات الآثار وبالذات الفرنسيين (مجمع لوفان) والأب روبير دي لانج الذي قال بموضوعية: «كل ما يوجد في توراة إسرائيل وفي آدابها وفي حياتها، يعود إلى الفترة الكنعانية حتى لو كانت في أقصى الشمال».

البدايات مع التطريز

عندما فكرت زقطان بالاهتمام بالتطريز على القماش وهي فتاة صغيرة، كانتُ تطرز مثل أية امرأة فلسطينية تتقن التطريز كعماتها وخالاتها وجاراتها في فلسطين..لكن لم تكن تدري بالضبط ما سر هذا التطريز النسائي المتوارث في أجيال النساء هناك.

ولمّا بدأت زقطان بإعداد رسالتها للماجستير عن تاريخ الفترة الكنعانية، أخذتها النصوص إلى اللوحات، اي ان النص كان هو الدافع للإبداع في تطريزها الخاص والمختلف عن الأخريات من النساء.

الجمالية العالية في النصوص الكنعانية القائمة على الحياة الاجتماعية والآداب والحكايا الأسطورية على امتداد سورية الكبرى في كتاب «التوراة الكنعاني» الذي جُمع بعد اكتشاف الحروف الهجائية في أوغاريت كل ذلك جعل زقطان تنتبه الى أصالة أرض كنعان (فلسطين).

موروث الكنعانيين يؤرخ كل شيء في المنطقة، حيث يعكس حركة المجتمع بأكمله: من شرائع دينية إلى الآداب والعمارة والرسائل، وحتى البريد.

فهذا التوثيق القديم جداً هو ما يؤكد وجود كل هذه الأشياء قبل الغزاة، وهو هدف مشغولات زقطان، التي شدتها جماليات الزخارف التي كانت جزءاً دينياً، والدين كان مفتوحاً على الفن.. فكانت زقطان تدخل من تلك النصوص إلى إبداع لوحاتها الفنية المطرزة بألوان الحرير.

تطريز كنعاني

ألوان خيوط الحرير التي استخدمها قدماء الكنعانيين كانت تعكس مشاعر الفرح والحداد في حياتهم آنذاك.

ففي بعض لوحات التطريز الكنعاني الحديث لزقطان نلاحظ مثلاً:

امرأة تحمل طفلاً والى جانبها عصفوران؛ استخدمت فيها خيط الحرير بالألوان الخضراء, وكتبت تطريزاً في أعلى اللوحة بخيوط الحرير: (داخل السور القديم اوتيت مريم عليها السلام فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء).

وتعبر لوحة اخرى عن صورة لبعل (إله الخصب عند الكنعانيين) فيما كتبت تطريزاً على لوحة اخرى لـِ «عناة» إلهة الحرب والحب والخصب عند الكنعانيين.

وتظهر في لوحة أخرى عنوانها (صلاة) مجموعة من النساء وإلى جانبهن مجموعة من الخيول.. وفي تطريز آخر يظهر (ملك أوغاريتي) يركب عربة يجرها حصان كتبت الى جانبها (من هذا اليوم لن يأخذ أحد منا شيئا الى الأبد).

وفي لوحة أخرى اختارت زقطان مقاطع من قصائد الشاعر الكبير محمود درويش (خذيني أمي اذا ما عدت يوما وشاحا لهدبك) وضمتها الى مطرزة تظهر فيها امرأة تحمل طفلا واخرى تقف الى جانبها ويبدو الوشاح في يدها وعلى الجهة الاخرى تظهر امرأة في وضع صلاة تحمل مشعلا بيدها.

عن الوثائق والBرض

والكاتبة وفنانة التطريز زقطان أثناء إعدادها رسالة الماجستيرعن الفترة الكنعانية، كان هناك كتاب لمحمد أديب العامري عن المؤرخ البريطاني، أرنولد توينبي، الذي زار فلسطين عام 1967، وقال جملته الشهيرة: «لماذا نحن ننظر إلى الفلسطينيين والفينيقيين بعيون الإسرائيليين!!! لكن إذا أردنا الرؤية الصحيحة فعلينا أن نعاين الأشياء من وجهة نظر الجانب الصامت أيضاً.. لا أن تكون للجانب الإسرائيلي الكلمة الأخيرة كما كانت له الكلمة الأولى».

وعلى إثر ذلك طردت قوات الاحتلال الإسرائيلي توينبي من الأراضي الفلسطينية المحتلة في ذلك الوقت!!. وبذلك نستدل ان الفلسطينيين كانوا مغيبين، ليس في حقل الإعلام فحسب، بل في كل شي!!.

كانت أوروبا تعرف المنطقة من التاريخ التوراتي، والإسرائيليون جاهزون إعلامياً ومادياً ومدعومون حتى لما سيفعلونه بعد مئة سنة!! وفي المقابل كان العرب والفلسطينيون يعتمدون على ذاكرة الأم والأب، وهذا لا يكفي للوقوف في مجابهة ثقافية مع عدو يرتب أموره بدقة وتخطيط ومعه معظم العالم.

كتابات زقطان

المثقفة المناضلة زقطان لها اهتمامات ابداعية أخرى.. فقديماً صدر لها المجموعات القصصية التالية: أوراق غزالة, النعمان وقصص أخرى, كما لها رواية بعنوان ومضى زمن النرجس، وداخل السور القديم ــ سيرة مدينة عن القدس، وأوغاريت ذاكرة حقل ــ نصوص من أوغاريت.

وفي الشعر أصدرت الساهرات أصبحن خارج البيت، وتلالك البعيدة. ومؤخراً عام 2018 صدر لها كتاب «ذهب السابقين» في عمان والذي تُرجم للغة الانجليزية, وهذا الكتاب ثمرة أكثر من ثلاثين سنة من البحث، وهو يوثق لبداية الوجود الكنعاني في فلسطين قبل أي غزو تعرضت له فلسطين وبلاد الشام أي سورية القديمة.

ويعتمد هذا الكتاب على نتائج الحفريات الأثرية التي بدأت في عام 1926 (ولا تزال مستمرة) في أوغاريت، وحفريات القدس وأريحا, مدعمة بحفائر تل العمارنة في مصر، وبلاد الرافدين واليونان..وتعود هذه الوثائق إلى 4500 قبل الميلاد وحتى 1200 قبل الميلاد.

وفي آخر صفحات الكتاب وجدت 36 لوحة تطريز ملونة ترتبط بسمات الفن والحياة لتلك الحضارة, التي واصلت تطورها واستمرارها حتى يومنا هذا.

وزقطان هي عضو رابطة الكتاب الأردنيين واتحاد الكتاب العرب واتحاد كتاب فلسطين, وقد أقامت عشرات المعارض الشخصية التي تضمنت لوحات تراثية مشغولة بالتطريز على القماش في كل من الأردن، وفلسطين, ولبنان، وتونس، ومصر، والعراق.