الديمقراطية العرجاء تعبير يستخدمه المثقفون كناية عن ضعف وبطء سير وتطور الحياة الديمقراطية في بلدانهم، وعلى الأغلب نجد أن هناك من يُرجع ذلك من جهة لعدم وجود الرغبة لدى تلك الدول في معالجة أسباب العرج، ومن جهة أخرى لعدم وجود أرضية خصبة تسهم بالمضي في العملية الديمقراطية. فالديمقراطية أشبه بالبناء، فلا بد من أن تتوفر بها الأرضية والبنية التحتية والمواد والأدوات اللازمة للبناء، ودعم مادي ومعنوي وتخطيط سليم واستراتيجيات تهدف الدولة منها الى المضي سريعاً في التقدم والبناء على أرضية سليمة.

لقد امتلكنا في الأردن منذ الاستقلال عام 1946، جميع عناصر ومكونات البنية التحتية للديمقراطية الصحيحة مثل: الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني والبرلمانات والأطر التشريعية الناظمة للحياة الديمقراطية، ولكننا ما زلنا نبحث منذ سنوات طويلة عن الوصفة الصحية لمعالجة العرج المزمن، الذي يحول بيننا وبين الوصول الى خط النهاية للديمقراطية الصحيحة.

لقد قطعنا شوطا كبيرا في تعزيز الحياة الديمقراطية، ومررنا في مراحل لامسنا فيها الديمقرطيات الغربية، لا سيما في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، لكننا وللأسف كنا ضحية لمحيط وبيئة غير صحية بسب موقعنا الجغرافي المحاط بالأنظمة ذات الطابع الشمولي، وانتشار الفكر الراديكالي الثوري، وكذلك الحروب التي مررنا بها واستغلال البعض من الداخل لهذا الانفتاح الديمقراطي لحياكة المؤامرات ضدنا، فكانت النتيجة وقف الحياة الديمقراطية وإعلان الأحكام الاستثنائية بعد حرب حزيران 1967.

رغم عودة الحياة الديمقراطية عام 1989 وانتخاب واحد من أفضل المجالس البرلمانية في التاريخ الأردني، وعودة الحياة للأحزاب السياسية لتمارس نشاطها كالمعتاد، بقي تأثير تداعيات المرحلة السابقة حاضراً في أذهان الناس، التي لم تعد تؤمن بالعمل الحزبي.

لا أقصد هنا بأننا شعب غير مستعد لقبول الديمقراطية، بل يعود ذلك إلى الموروث وحالة الارتباك السياسي، لذلك بقيت الحياة بالديمقراطية لدينا تعيش ما بين مد وجزر، مرهونة بالمحاذير الناجمة عن المناخ السياسي والإقتصادي المضطرب، وعدم الاستقرار السياسي الخارجي للدول العربية بصفة عامة والدول المحيطة بنا بصفة خاصة، التي تعتبر سببا في تقليص خياراتنا بمناخ سياسي اقتصادي اجتماعي صحي للمضي بالدمقراطية المنشودة. لقد تفاءلنا جميعاً عندما طرح جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله أوراقا نقاشية، عبر فيها عن رغبة جادة للإصلاح السياسي الشامل والانتقال التدريجي للديمقراطية الصحيحة، بعد أن وضع يديه على أسباب الخلل وطرح الحلول المناسبة، من أهمها: الوصول إلى حكومة برلمانية، ولكننا وللأسف ما زلنا لا ندري ما هي الأسباب التي تحول دون تطبيق هذه الافكار الملكية، فإذا كانت الإرادة السياسية موجودة، ونمتلك جميع الأدوات التي تساعدنا على المضي، فلماذا التأخير؟. وفي النهاية أقول إما أن نبني ديمقراطية صحيحة، أو ديمقراطية شكلية بقانون انتخاب محاصصة مخالفاً للدستور فيه (كوتا) للنساء وكوتا للرجال وكوتا للأحزاب وكوتا للتجار وهكذا حتى نرضي جميع الأطياف.