أبواب - تالا أيوب

اللعب حتى التعب في الحارات، حكايات الجدة الممتعة، خبز الطابون، الدراسة الجامعية، أصدقاء المدرسة،الاستماع إلى أغاني أم كلثوم وعبد الوهاب، السهرات العائلية (...).

هذه بعض من الصور المتخيلة عن الماضي الذي نَحِنّ إليه، فكل ما هو ماض، جميل، لكل من يتذكر أحداثا ممتعة حصلت فيه، وأحيانا يتعدى إلى تمني العودة الى ذلك الزمن والعيش فيه؛ فالمريض يحلم بصحة سليمة، والمغترب يحنّ لرائحة تراب الوطن والعيش وسط الأهل الذين يشتاق إليهم، وكثر منا يحلمون برؤية أحباء رحلوا عن هذه الدنيا.

ولكن.. لماذا كل هذا الحنين؟ ولماذا يرقص فرحا مَن يتجول في أحداث الماضي وحكايته؟ يجيب عن ذلك أخصائي الصحة النفسية الدكتور عمار التميمي بقوله إنه: «الحنين للماضي المثالي حيث الدفء والشعور بالأمان، والتلاحم الأسري، والوجوه الجميلة بلا مساحيق، تلك الصور العالقة بذاكرتنا بما تحمله من تفاصيل الطفولة، والأصدقاء، والجيران، وأهل الحي، ومدارسنا العتيقة، وأساتذتنا الأجلاء الذين ما تزال صدى أصواتهم قابعة في آذان معظمنا، فبالرغم من جدية وقساوة بعضهم الا أنهم كانوا يمنحوننا شعور الأبوة الصادقة، وحسّ المسؤولية، كانوا يحملون رسائل وأمانات لجيل كامل، يحن لتلك الأيام وذكراها الخالدة». ويشير التميمي الى أن هذه الظاهرة تسمى «نوستولجيا Nostalgia» أي الحنين للماضي المثالي، وهذه الظاهرة كان ينظر لها على أنها مرض نفسي، بينما يراها التميمي أنها وسيلة تكيفية، واستراحة من شقاء الحاضر، فهي وسيلة دفاعية يوظفها الفرد لتحسين مزاجه، وتزداد في حالات الشعور بالملل والوحدة.

ماذا لو علق الانسان بماضيه؟

يشير التميمي الى أن العودة للماضي بكل صوره وتفاصيله الجميلة يساهم في تجميل رؤية الواقع أو على الأقل التكيف معه، لكن لو علقنا بالماضي كليا فقد يعني ذلك أننا ننكر الحاضر وكأن الزمن تسمّر، أو أصبح لدينا ثبات نفسي، أي التوقف عن النمو بسبب فرط الإشباع أو قلته، لذا فالنستولولجيا اذا حلت مكان الحاضر، فهي تعني أن الإنسان لا يستطيع العيش فيه، وربما ينزوي عن مجتمعه، وبيئته، وهذا يجعله يشعر بالغربة والوحدة، حتى ولو كان محاطا بالآخرين».

ويقول التميمي أن النستولولجيا تكثر عند كبار السن؛ لرفضهم الواقع الحالي بكل أحداثه وتطوراته وتكنولوجياته؛ لأنها تتعارض مع ما تربوا عليه، أو مع الماضي الذي نشأوا فيه ببساطة فيحنون إليه، ويظهر بشكل طبيعي خلال أحاديثهم، أو تكرار قص حكاياتهم عن الماضي الذي يعد أهم مراحل حياتهم بالنسبة إليهم.

ويرى أنهم نفسيا يشعرون بأن حاجة البيئة إليهم أقل أهمية عما في السابق، وأنهم بدأوا يفقدون مكاناتهم الاجتماعية التي كانوا يتمتعون بها في شبابهم، وبالتالي يحرصون على تذكر الماضي فيفتحون دفاترهم وذكرياتهم القديمة، كآلية للدفاع عن أنفسهم لإثبات وجودهم، وهذه إشارة الى رفض الواقع، والإنسان عندما يرفض الواقع يخلق عالما افتراضيا يعيشه،فيكون متخيلا أو عاشه في الماضي.

ويخلص التميمي الى أن النستولولجيا فن، واستراتجية للتعايش مع ضيق الحاضر، بتقمص الماضي؛ لأن ذلك يعني توقف الخطى نحو الحاضر والمستقبل، والحقيقة أن الماضي انتهى وولى ولن يعود، والمستقبل ببساطة لا ندركه، لذا فالعيش في الحاضر هو الحقيقي والأجمل، ولا بأس من زخرفته بصور الماضي.

الحياة الاجتماعية

يقول الاستشاري الاجتماعي الدكتور فيصل غرايبة إن: «الحنين إلى الماضي شعور ينتاب كل إنسان وهو يتغلب عادة على شعور التوق إلى المستقبل، وتكمن الفائدة في الحنين إلى الماضي في أخذ الدرس، والعبرة، وتقييم المواقف، والتصرفات، والإنجازات السالفة، والبناء على الإيجابي منها، ويكون استرجاع الماضي عند المتفائلين للنواحي الإيجابية في حياتهم، أما المتشائمون فيسترجعون النواحي السلبية».

ويرى غرايبة أن استحضار الأمور الإيجابية في حياتنا التي تنطوي على النجاح والتقدم والإنجاز يزيد من التفاؤل والمضي قدما نحو الأفضل، أما اذا بقينا نتذكر الهموم والرسوب والفشل، فان ذلك سيقودنا الى الاستسلام والقعود واليأس، إلا اذا نظرنا الى تلك المواقف الماضية بروح إيجابية دافعة لمزيد من العطاء والتفاؤل والإقدام بالإستفادة من التجارب السالفة.

ويشدّد غرايبة على أن لا يبقى الانسان أسيرا لماضيه يمجده ويتغنى به دون زيادة او نقصان، وأن لا يبقى كذلك رهينة لماضيه يندب حظه ويلوم نفسه والآخرين، بل يجب أن يتطلع الى الأمام نحو الغد بروية وحكمة واستعداد تام لصنع مستقبل أفضل.

دراسات

وفي دارسة قادها كونستانتين سيديكايدس عالِم النفس في جامعة ساوثهامبتون في إنجلترا، ونُشرت في دورية «إيموشن» Emotion- في عام 2015 حث الباحثون المشاركين في التجربة على الاستغراق بالتفكير في الماضي من خلال كلمات الأغاني العاطفية أو الذكريات، فشعر المشاركون بإحساس أكبر بالاستمرارية الذاتية جرى قياسه وفقًا لمؤشر مُعتمد يطرح على المشاركين أسئلة تقيس مدى شعورهم بالارتباط بالماضي، والجوانب الجوهرية من شخصياتهم التي لم تتغير بمرور الزمن.

ووجد الباحثون أن الشعور بالحنين للماضي يعزز من الإحساس بالاستمرارية الذاتية عن طريق زيادة الإحساس بالترابط الاجتماعي؛ إذ أن الذكريات العاطفية غالبا ما تضم أحباءنا، وهو ما يمكن أن يذكرنا بشبكة اجتماعية تمتد لتشمل الكثير من الناس عبر العديد من الفترات الزمنية.

وقد لاحظ تيم وايلدشوت -أحد المشاركين في الدراسة من جامعة ساوثهامبتون مع سيديكايدس- أن هناك الكثير من الطرق التي يشعر الناس من خلالها بالحنين للماضي؛ ومنها النظر إلى الصور أو طهي وجبات معينة أو مشاركة قصص الذكريات أو عزف الموسيقى.

ويصف وايلدشوت هذا الشعور الذي نمر به بصورة طبيعية عدة مرات في الأسبوع بأنه «استجابة مناعية نفسية، تحدث عندما تواجهنا بعض عقبات الحياة»، لذا إذا شعر الإنسان بأنه مضطرب قليلاً في موسم الأعياد، بإمكانه اصطحاب نفسه في رحلة إلى الماضي مستعينًا بألبوم صور الذكريات.

وأظهرت دراسة أخرى أجرتها جامعة ساري في غلدفورد جنوب لندن مؤخراً، أن الحنين إلى الماضي يعطي شحنة إيجابية لدماغ الإنسان على اعتبار أنه يحرك عواطفه.