يحل مفهوم الصالوقراطية محل مفهوم الديمقراطية، ليقلص نطاق توزيع المسؤوليات وحصر أداء الواجب في المتحلقين حول صاحب الصالون السياسي، ويعفي كثيرين ويقصي آخرين. وتمتد الممارسة الصالوقراطية إلى الإطارين البرلماني والحزبي، واللذين يعول عليهما في وضع الأمور في نصابها، من خلال توزيع المكاسب بالأحقية، وتوفير الفرص بعدالة، وتكون المفاجأة أن الأطر الديمقراطية، التي يشكلها المواطنون بأنفسهم وبقناعاتهم، أصبحت تعبر عن رغبة عدد محدود من الناس، وصارت تسعى إلى تحقيق مصالح نطاق محدد من الجمهور، فيترحم الناس على الآمال التي علقوها على هذه التشكيلات، والأطر الوطنية المتطورة في وضع الأمور في نصابها ويترحمون كذلك على أيام العشائرية، التي كانت تحافظ على الود والتواصل وحق الجيرة، في الحصول على الحقوق، ويستذكرون بالخير أيام الواسطة النبيلة، التي تحاول إعطاء الأحقية بجدارة.ان علاج هذه الظاهرة تستحق أن تكون من أولويات خطة التنمية السياسية، فان التنمية السياسية المثمرة، لا تقتصر على التعامل مع التنظيمات الرسمية، بل تتعدى ذلك إلى الظواهر الاجتماعية الناشئة، والاتجاهات الثقافية السائدة.

هذا عدا عن «المحسوبية»، ذاك الداء الاجتماعي الذي يغض الطرف عن أخطاء، ويلحق الأذى بالصالح العام، لكي لا يوقع العقاب على مخالف أو مخطئ أو ظنين، ويدخل فعل الجور والظلم والإيذاء في عالم النسيان، ويطوي صفحة السيئات الكبيرة قبل الصغيرة، ويدفع صاحب الجاه والقوة والنفوذ، لينتصر إلى من يهمهم أمره، ويسعى إلى أن يحقق لهم المكتسبات، حتى ولو لم تكن حقا لهم، وإنما هي حق لغيرهم، حولتها المحسوبية بقوة تأثيرية جائرة إلى مغنم لهم، مقابل حرمان أصحابها منها.

يأتي في هذا السياق الحصول على مزايا وظيفية، أو ترفيع أو نقل لمكان مرموق.وليت المحسوبية تقف عند هذا الحد في سطوتها على حقوق الناس، وإنما تتجاوزه إلى مكتسبات مالية أخرى فاحشة، ومبالغ فيها من المال العام، والذي يطبق على الآخرين فيه الترشيد والتقتير، مثلما يتمادى السطو المحسوبي في ضغوطه، في إنقاذ مصالحهم من العقاب، فتنقذهم من المحاسبة، وتهرب بهم من خطر المساءلة، في أفدح المخالفات وأشنع الأفعال، التي تعود على المال العام بالخسارة، وعلى الحق العام بالفقدان.

إن إخلاء مسؤولية مسؤول عن خطأ ما، أو عدم محاسبة مسيء لحق الآخرين وهو الذي يتم بفعل المحسوبية، أمر يجب أن يتوقف بموجب الإصلاح الوطني النزيه، وإن الاحتكام إلى القانون والحرص على الصالح العام، هو ما يجب أن يسود في إطار العدالة، فلا يفر أحد من المحاسبة، ولا يلجأ أحد إلى المحسوبية، وإن مخافة الله ويقظة الضمير، ومحبة الوطن والوفاء للأجيال والشعور بالمسؤولية، هي المضادات الحيوية لمحاصرة ذاك الداء الاجتماعي الخبيث.

dfaisal77@hotmail.com