أبواب - د. عامر العورتاني أخصائي علم الإجتماع

تشكل المدرسة أول بيئة يدفع الوالدان إليها الطفل بعيداً عن محيط الرعاية الأبوية، فقد أصبح مجبراً على الخروج من مركزيته الذاتية والإندماج في حياة إجتماعية جديد، تقوم على الإنتقال من بيئة تحكمها العلاقات الأبوية والإتصال العاطفي الفطري إلى بيئة تحكمها معايير وضوابط إجتماعية أكثر دقة تدفع بالطفل إلى الإرتباط مع الآخرين ضمن إطاريتطلب منه أن يثبت ذاته من خلال قدرته على التكيف الإجتماعي في المحيط الجديد، الأمر الذي سيلعب الدور الأكبر في تحديد كيفية إندماجه في المجتمع الذي ينتمي إليه.

يتعلم الطفل كيفية إدرا ك ذاته من خلال ما يتشكل لديه من اتجاهات تتكون عبر مجموعة الخبرات التي يمر بها في مختلف مراحله العمرية مع الأفراد ذوي التأثير في حياته وكيفية استجابة هؤلاء الأفراد له ما يحدد بالمقابل كيفية استجابته لذاته، فتنمو لدى الطفل ذاتاً عائلية وأخرى مدرسية وذاتاً اجتماعية من خلال المواقف التي يختبرها الطفل مع الوقت.

إذاً،يعتبر دخول المدرسة حدثاً مهما في حياته، فالمدرسة ليست مجرد مكان يتلقى فيه الطفل المعرفة وإنما هي عالم كبير يقود الطفل نحو اكتشاف ذاته واستشعار قدراته وتحديد الكيفية التي سيواجه فيها هذا الطفل المواقف والخبرات المستقبلية، إنها المكان الذي تصنع فيه الأجيال التي ستحمل الأمنيات والتطلعات إلى فضاء واسع من العمل والبناء والإنتاج.

ونحن في الأردن تزداد قناعتنا مع الوقت أن الإستثمارالحقيقي يكمن في طبيعة الموارد البشرية، فلم تعد الثروات الطبيعية، وإن وجدت هي ما يحدد مستوى الدولة الإقتصادي، وإنما يتحدد ذلك بمقدار ما تملكه من قوى بشرية مؤهلة بما يواكب متطلبات هذا العصر الذي يتميز بسرعة تدفق المعلومات والأفكار وسباق الدول في مجال امتلاك المعلومة و صناعتها والتحكم في بثها.

إن قرار وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي جعل مرحلة ما قبل المدرسة إلزامية يعتبر خطوة هامة في استراتيجية الوزارة التربوية، حيث أن العناية بهذه المرحلة التعليمية يعتبر بمثابة حجر الأساس لما بعده من المراحل، والحقيقة أن تعميم هذه المرحلة على كافة مدارس المملكة وشمول جميع الأطفال ممن هم في عمر هذه الفئة هو ما يشكل تحدياً حقيقياً للوزارة.

إن الأمر لا يقتصر على توفير أماكن مخصصة لرياض الأطفال في إطار المباني المدرسية فقط، وإنما ما يتطلبه هذا الأمر من تجهيز هذه الأماكن لإستيعاب الأعداد المتقدمة ضمن الفئة العمرية المستهدفة، عدا عن تزويد هذه الأماكن بكل ما تتطلبه رياض الأطفال من أدوات ووسائط تناسب الطلبة كالألواح التفاعلية، وأدوات اللعب، والوسائل التعليمية.

ولا تتوقف المسألة عند هذا الحد بل إن توفير المعلمين المختصين بتعليم هذه الفئة وإعدادهم الإعداد المسبق من خلال الدورات التدريبية التي تزودهم بأهم استراتيجيات التدريس يعتبر أساسياً في نجاح هذه الخطوة، فطبيعة الدور الملقى على عاتق هؤلاء المعلمين قد يكون أكثر صعوبة من ذلك الملقى على معلمي المراحل اللاحقة، فهم يتعاملون مع البذرة في أدق مراحلها وأكثرها حساسية، وهم من سيشكل المحطة الأولى والأهم في تشكيل ذوات هؤلاء الأطفال والتي ستنتقل معهم مرحلة بعد أخرى.

دور المدرسة اليوم قد تحوّل من عملية تعليم الإنسان إلى تشكيل وبناء المجتمع وإعادة إنتاجه حضارياً وأيدولوجياً، خصوصا وأن قيم المجتمع ومعايير الضبط الإجتماعي فيه تتعرض اليوم لتحديات كثيرة تجعل من كيفية التعاطي مع مسألة التعليم وسياساته مسألة وجودية.

لقد بات من الضروري إعادة النظر في دور المدرسة على المستوى الوطني، وذلك من خلال خطة عمل مكثفة وعاجلة ضمن رؤية محلية تتناسب وإحتياجات مجتمعنا وثقافته، وذلك من خلال العمل على إعداد المباني المدرسية بما يتناسب والكثافة الطلابية التي يجب أن يتحملها المبنى، وضبط أعداد الطلبة في الغرف الصفية ضمن الحد الذي يمكّن المعلم من مراعاة الفروق الفردية والعناية بالمتطلبات الذاتية للطلبة وبما يتيح له المجال لتنفيذ استراتيجيات التدريس المختلفة ونقلها إلى واقع التطبيق بعيداً عن أسلوب التدريس المباشر.

ويجب تفعيل كافة مرافق المبنى المدرسي بحيث يتمكن جميع الطلبة من استخدامها بشكل فعّال، إضافة إلى ضرورة إيلاء العناية الكبرى للأنشطة اللامنهجية والتي يجب أن تخضع للتخطيط الدقيق والموجه من قبل مختصين على مستوى الوزارة والتأكد من إدماج جميع الطلبة على اختلاف ميولهم وتوجهاتهم في هذه الأنشطة بما يضمن عملية الكشف عن مميزات الطلبة ونقاط القوة الكامنة فيهم وتوجيهها الوجهة الصحيحة، وعدم ترك الموضوع للمبادرات الفردية للمعلمين فقط والتي قد تواجه بالعديد من الصعوبات التي تشكل نقطة تراجع لا تصب في مصلحة العملية التربوية في النهاية.

ومن المهم توعية الطلبة بطبيعة ميولهم الدراسية ومواهبهم العملية من خلال ملف يقيّم المتعلم منذ مرحلة رياض الأطفال، وذلك لتشكيل مرجعية تراكمية للمعلمين ولذوي المتعلم لمساعدته على إختيار ما يناسبه في المراحل المتقدمة، مع الأخذ بعين الإعتبار أن دور المرشد الأكاديمي لاسيما في نهاية المرحلة الأساسية (الصف العاشر) والمرحلة الثانوية شبه موجود على أرض الواقع مما يجعل الطالب رهن القرارات المفاجئة في تحديد مصير اختياراته.

وهنا تبرز مسألة الفجوة بين مرحلة المدرسة ومرحلة الجامعة، فواقع الحال يوحي بإنفصال العلاقة بينهما إلا عند مواجهة الطالب مع طلبات الإلتحاق بالجامعات بعد صدور نتائج الثانوية العامة، والحقيقة أن العلاقة بين المرحلتين شديدة الإرتباط، فالمدرسة تشكل المحطة الأولى والأطول في حياة المتعلم، والتي تعمل وعلى مدى سنوات دراسته على إعداد شخصيته وتوجيه ميوله، وما الجامعة إلا مرحلة مكملة، بل إنها النقطة التي يصب فيها نتاج المدرسة ومخرجاتها.

مما سبق، فإنه لا بد من تقاطع دور المؤسستين معاً، إذ يجب أن تلعب الجامعة دور الشريك إلى جانب المدرسة في إعداد المناهج الدراسية وفق ما تأمله الجامعات في خططها الدراسية بعيدة المدى، كما يجب أن يُفعّل دور الجامعة ما قبل مرحلة امتحان شهادة الثانوية العامة وذلك من خلال التخطيط المشترك لبرامج إرشادية تقدم فيها الجامعات صورة عن واقعها التعليمي وخططها الدراسية بما يساعد الطالب على أن يعد خطة مسبقة لتوجهاته الدراسية الجامعية في ضوء حاجات المجتمع وواقع سوق العمل.

ولضمان السير في خط تصاعدي لإنجازات مدارسنا وتحقيقها لرؤية الوزارة ورسالتها فلا بد من إهتمام الوزارة بالتغذية الراجعة عن المدارس خلال كل عام دراسي، وذلك من خلال متابعة أداء العاملين فيها ومستوى مخرجاتها التعليمية وإنجازاتها اللامنهجية وتقييم ذلك في نهاية العام الدراسي ليصار خلال فترة العطلة الصيفية إلى التخطيط والتجهيز لتعظيم نقاط القوة وعلاج نقاط الضعف بدل أن يبدأ العام الدراسي الجديد بداية مبتورة تتكرر فيها الأخطاء ذاتها، ولا بد أن يكون المجتمع المحلي شريكاً في عملية التقييم وداعماً في عملية البناء والتقويم.

إذاً لا بد لنا ونحن في مرحلة إصلاحية مهمة أن نعيد النظر في طبيعة الدور الذي تقوم به المدرسة في بناء الوطن والسير به نحو مراتب التميز والإزدهار بما يكفل سماء من الحرية لجيل قادر على الصعود بالوطن نحو قصة نجاح تنموية ثقافية.