د.أماني حاتم بسيسو



يبحث الكاتب د.عصام أبو شندي في روايته هذه، عن أساس محنة العرب، وعلّتهم الأساسيّة التي جلبت لهم المصائب كلّها: إنّهم لا يتقنون سوى التّنظير! شعاراتهم جوفاء، خاويةٌ من الرّوح، «كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون» (الصّف: 3).. الغرب يتحد، وأمّة العرب تتشرذم وتتمزّق! «إنّ هذه أمّتكم أمّةً واحدة وأنا ربّكم فاعبدون» (الأنبياء: 92).

إذا تأمّلنا في دلالة عنوان الرواية (سائرون إلى هناك)، سنتساءل: إلى أين -يا كاتبنا- تسير، وتحُضّنا لأن نسير معك؟! لا بدّ أننا جميعاً نعرف وجهة مسيرنا، لذا لم يفصح الكاتب عنها إفصاحاً،. نحن نعلم إلى أين نسير: للانضباط في صفٍّ عربيٍّ واحد، وعلى كلٍّ منّا أن يتّخذ مكانه فيه: «إذ يبدو عليّ أنني أتعلّم الانضباط في هذه البلاد، عند هؤلاء النّاس الذين يقدّسون الانضباط» (1).

أنا عربيّ، بلادي التي أنتمي إليها تعني لي الكثير! تثير في وجداني المزيد من الشجى والأسى لأمجاد أمّتنا التي أضعناها بتشتّتنا وفرقتنا! هؤلاء الغرب الغرباء احتلّوا بلادنا، وأقاموا فيها مصالح لهم: «أما المطاعم الفخمة فتجد منها المطعم الألماني والصيني والياباني والهندي»(2)!

ماذا بقي لي أنا «العربي» في أرضي! «مررنا بحديقةٍ مربّعة التّصميم، فيها أشجارٌ لون وردها أبيض، تلك الأشجار التي لم أستطع تحديد نوعها، لكن منظرها يخلب اللبّ ويضفي على النفس البائسة قدراً من الراحة» (3). لقد حزّ في نفسي عدم قدرتي على إدراك نوع الشجر في بلادي، غير أنّني اعتززت بأمّتي، وبأرضي: بأصالتها، ونمائها، وجمال أرضها!

«وسيّاحٌ من الإفرنج شقرٌ

لا يرون القدس إطلاقاً

تراهم يأخذون لبعضهم بعضاً صوراً مع امرأةٍ تبيع الفجل في الساحات طول اليوم

... في القدس مَن في القدس، لكن

لا أرى في القدس إلا أنت!» (تميم البرغوثي).

أنا أدرك المعنى الحقيقي، والقيمة العليا المختبئة خلف مظاهر الجمال الذي لا يدرك منه الغرباء إلّا الجانب الذي تراه عيونهم، وتدركه حواسّهم. أنا أدركه بإحساسي، إذ يعزف على أوتار قلبي، لأنّها أرضي، وأنا ابنها.

هؤلاء الأجانب لا يكترثون إلّا بالتقاط الصور الجميلة الخاوية من الانتماء الحقيقي للأرض والحضارة، هم -بذاك- مزيّفون! حتى جمال الوجوه، لا يسبي لبّي: «وهذا الجمال الألماني يخلب الألباب، وإن كنت ميّالاً بطبعي إلى التّلذُّذ بالجمال العربي ذي البشرة السمراء والحنطيّة» (4).

بيد أنّ الكثيرين من العرب يقدّسون الانتماء للأعاجم، حتى صرتُ أطوف بعينيّ في بلادي، وبين أهلي وذويّ، فأقيم غريباً:

أنا يا صـــديقة متعــَبٌ بعروبتــــي

فهل العروبة لعنةٌ وعقــــابُ؟

أمشي على ورقِ الخــريطة خائفاً

فعلى الخريطة كلُّنا أغـــرابُ

أتكلّم الفصحى أمامَ عشيرتي

وأعيدُ... لكنْ ما هناك جوابُ

لولا العباءاتُ التي التفّوا بها

ما كنت أحسبُ أنهم أعرابُ!

(نزار قباني)

الغربة التي فُرضت عليّ قسراً لم تتمكّن من ذوقي العربيّ الأصيل، ولفتت انتباهي إلى هذا الكنز، كم يحرص «سجّاد» على إخفائه والاحتفاظ به مصوناً مكرّماً: «لمَ لا يكون (سجّاد) يخفي في بيته كنزاً من مال أو غانيةً فاتنة يخفيها عن الأنظار داخل شقّته؟»(5).

ما زال العرب، حتى مَن أُجبر منهم على أنماطٍ من الكسب السيئ (كتجارة المخدّرات) في بلاد الغربة، ما زال شعور الغيرة والرّجولة متمكّناً من خلقهم: «لكنني أظنّ أنّ السبب الذي منعه أو ما زال يمنعه من أن يأذن لهذه الحورية أن تتواصل مع النّاس، هو خوفه أو أنفته من جنس المهاجرين العرب أمثالنا، فإذا كان يسمح لنفسه أن ينثر بذور المخدرات، لتزهر قذارةً وإدماناً في جوانبهم وجوارحهم، فلا أظنه يسمح للعيون القذرة أن تمسّ طرفاً من شرفه العربي، الذي حمله معه من هناك ممّا وراء البحار» (6).

اللجوء -في تجربة العربيّ- لم يكن -يوماً- اختياره، لقد أُجبر عليه إجباراً، فكان مما جاء في حوار أحد اللاجئين:

«برأيك يا جبران.. شخصٌ في مثل حالتي هل يشفق الناس عليه أم يشفقون منه؟

- وما بها حالتك؟

- لاجئٌ في بلادٍ بعيدة!».

فهذا يشير إلى أنّ العربي لم يختر -يوماً- أن يخرج من وطنه، إلّا لظروف العيش السيئة، أو بسبب القتل والدّمار!

"اللاجئ» غريبٌ مهان، «وهو مخلوقٌ كريهٌ ممقوتٌ قذر لا يحبّه أحد ولا يرغب أحدٌ فيه، أقصى ما يمكن أن يقدَّم له هو مساعدات إنسانية أمام وسائل الإعلام، والتّأسّي لحاله ولعنه وشتمه في دواخل الصّدور ومكونتها، والتّأفّف منه لأنه خرج من كنفه الذي كان يوفر له الكرامة» (7).

حين سمّونا «لاجئين» بتنا متعَبين.. «مخلوقات خائفة، لأننا اعتدنا أن نظل خائفين. وها هو الخوف ملازمٌ لنا على الأقل لأننا لا نملك ورقة يمكن أن تصفنا بأننا مخلوقاتٌ شرعيّة هنا، فالكلاب هنا مخلوقاتٌ شرعية، أما نحن فلاجئون غير شرعيين، لاجئون هربوا من مخيمٍ كانوا فيه ويسعون إلى مصيرٍ مجهول» (8).

البطل -في هذه الرواية- هو المؤلّف نفسه، إنه يختفي خلف الشخصيات التي صاغها خياله: (صخرة، بردى، دجلة، جاسر، أبو عديّ...) ويصوغ أفكاره على لسانها حواراً.

الصورة الفنيّة هي التي ملكت على الكاتب جوانب إبداعه. يتمثل التصوير الفني في ميله إلى التشبيه، والاستعارة، والتمثيل بتجسيد الجهد الإنساني: «وراح الناس يثرثرون كلاماً يتطاير بسرعةٍ مع هذه الرياح، التي يتراقص القارب بفعلها» (9). والمعاني تأخذ بخيال المبدع، فيكاد يراها ويسمعها لبالغ أثرها في وجدانه: «فقلت وقد ازداد ضجيج الخوف في قلبي»(10).. الكاتب يلحّ على المعنى الكامن في باطن المادّة؛ «أستنشق هواء الليل المفعم بذرات غبار الصحراء» (11). والكناية التي ينمّ فيها الكاتب عن مراده خلال وصفٍ طويل: «تلك الأضواء التي تتحوصل.. بها عليّ» (12).

الحوار في هذه الرواية أشبه العرض السينمائي أو المسرحي، والمشهد التمثيلي الذي يركّز على وصف حركة الشخصيات أثناء أداء دورها بمنتهى الدّقة يهيئها للأداء السينمائي: (سيناريو وحوار): «في هذه اللحظة مرّ شخص أشقر الشَّعر بمحاذاتنا، ويبدو أنه كان صاعداً للطوابق العلوية من البناية، وكانت تبدو عليه علامات الثمالة وراح يشتمني و(سجّاد)، فلم أطق صبراً، ودخلت معه في عراك باللكمات بالأيدي، وعَلا الصراخ حتى راحت أبواب الشقق تتفتح ويطل منها الساكنون، ولم يقحم (سجّاد) نفسه في هذا الشجار، بل اكتفى بشدّي إلى الخلف، وأنا منفعل?في شجاري مع هذا الثمل» (13).

الرواية لا تروي قصةً واحدة! ففيها قصصٌ عديدةٌ، مع شخصيّاتٍ كثيرةٍ: (نورس، لورنس، سجاد، أبو عديّ،...) كلٌّ منها له دوره تجاه أحداث الرواية. إنه ليس مجتمعاً وحسب.. إنها الأمّة كلّها.

وتتجلّى العقدة في الرواية واضحةً في مزيدٍ من الانتكاسات، وفشل كثيرٍ من المساعي والخطط لحلّها، لكنّ الاتجاه العام ظلّ يسعى نحو حلّ هذه القضية، فباتت قضيةَ العرب الأولى:

«وأن بلادنا تمتدّ من أقصى إلى أقصى

وأنّ حروبنا كانت لأجل المسجد الأقصى» (هشام الجخ).

لقد طعن «اللجوء» كبريائي، ونالت «الغربة» منه! «كنت أرغب في أن أرتمي عند قدميها، وأطلب منها أن تسعفنا بما تيسّر من الطعام، فقد كان الجوع كريحٍ مرّةٍ تضرب في تجاويف أمعائنا» (14).

أمّا حلّ عقدة الرواية، فهو عزمٌ أكيد على النجاة من موتٍ محقق. إنها الإرادة. فالإرادة والتحدي كفيلان بـتحقيق «الوحدة العربية».. والعهد على ذلك:

«قلت لجبران: بما أننا عزمنا على السير في هذا الاتجاه، فنحن محتاجان لأمر مهم!

- وهو؟

- العهد.. أي أن نتعاهد ألّا يغدر أحدنا بالآخر، فإمّا أن ننجح وتغدو حياتنا كحديقة غنّاء، أو أن نمسي طعاماً للسباع في إحدى هذه الغابات!

- لك مني العهد!

- وأنت لك مني العهد كذلك» (15).

ما نحتاجه -في بداية سيرنا نحو تغيير عهد الضياع والاحتلال- هو العهد والميثاق الصادقان، ألّا يسلّم أحدنا الآخر.. ألّا نخون قضيتنا أمام أيّ ضغطٍ أو إغراء. إننا -بذلك- «سائرون» في طريق استعادة حقّنا،، وإنْ بعُدَت الطريق وشقّ السّير فيها، فالغاية حدّدناها وعرفناها، ونحن «سائرون إلى هناك».

نحن كلّنا سائرون في الدّرب نفسه (إلى هناك): حيث نغدوا أحراراً، ويتخلّص كلٌّ منا من لقب «لاجئ».. والطريق -بالنظرة المستشرفة للمستقبل- «منحدرةٌ نحو الغروب» (16).

ماذا بقي من وحي الفنّ في هذه الرواية؟!

بقي الكثير ممّا يستشرفه اللبّ، ويعيشه ويعانيه القلب، يتجلّى في كلّ قراءةٍ، مع اختلاف القارئ، واختلاف الوقت الذي يقرأ فيه، وهذه ميزة الفنّ الأدبي!

بقي أن ألمح إلى أنّ العناوين التي آثر الكاتب أن يسم بها مقاطع الرواية، أشبه بمقطوعات القصيدة. إنها لا تؤدّي المعنى بشكلٍ مباشر، بل تتخفّى وتختبئ معانيها خلف الرّموز والإيحاءات الفنيّة! إنها أقرب إلى ترانيم الشعر! فكلّ جملةٍ تصلح أن تستبطن -داخلها- الكثير من المعاني، وظلال المعاني، تعيد إلى ذاكرتي هذه العناوين أنغام قصيدة نزار قباني: «أنا يا صديقة متعَبٌ بعروبتي»، وأوجاع محمود درويش «المارّون بين الكلمات العابرة».

زفرات الأديب.. نفثٌ لأوجاع الأمّة.

(1) «سائرون إلى هناك»، عصام أبو شندي، دار آمنة للنشر والتوزيع، عمّان، الأردن، 2019، ص429.

(2) نفسه، ص430.

(3) نفسه، ص430.

(4) نفسه، ص435.

(5) نفسه، ص434.

(6) نفسه، ص437-438.

(7) نفسه، ص286.

(8) نفسه، ص386.

(9) نفسه، ص346.

(10) نفسه، ص442.

(11) نفسه، ص17.

(12) نفسه، ص18.

(13) نفسه، ص444.

(14) نفسه، ص286.

(15) نفسه، ص445-446.

(16) نفسه، ص163. !

ناقدة أردنية