فراس حج محمد

يتحدّث الرّوائي الليبي إبراهيم الكوني في كتاب «موسم تقاسم الأرض»(1) عن الشّعر موحّداً بينه وبين الصّحراء وعشق النّساء قائلاً: «ماذا نفعل إذا كانت أمّنا الصّحراء هي التي دسّت في دمنا هذه الجرثومة التي نسمّيها عشقاً، كما دسّت في ألستنا شعراً؟ يكفي أن ننزع الحبّ من قلب إنسان هذه الصّحراء، أو أن نمحو من لسانه الشّعر حتّى يذبل ويتضعضع ويموت!»(2).

هذه الفقرة جاءت على لسان «الزّعيم» القبليّ مدافعاً عن أمرَين: العشق والشّعر، مبرّراً موقفه من الحسناء التي اقتطع لها قطعة أرض من أرضه بمساحة «جلد ثور»، كما أنّه يبثّ الشّعر بين النّاس باسم مستعار، إذ كانت الشّرائع الخاصّة بهؤلاء القوم تحرّم على الزّعيم قول الشّعر، فقد ورد في وصايا النّاموس (آنهي) «تحريم ممارسة الشّعر على كلّ من قبل تولّي أمرَ النّاس». ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل يشرح الرّائيُّ الأمرَ موضّحاً سبب التّحريم بقوله: «مَن منّا يجهل أنّ النّاموس لم يَسُنّ هذا التّدبير إلّا لقطع دابر الإغواء ا?ذي كانت له الأشعار دوماً رسولاّ وهو: العشق؟» (3).

وفي محاولة تحليل الموقف والموقف المضادّ في مسألتي الشّعر والعشق، وبحسب ما أورده الكاتب على لسان شخصيّاته، فإنّ هذا السّياق من ذكر الشّعر والعشق وارتباطهما بالزّعامّة وحرص الزّعيم على أن يقول الشعر رغم أنّه يعرف سلفاً مخالفته لتعاليم (الأنهي) المقدّسة، ينبغي التّوقّف عنده. فالشّاعر متمرّد بطبعه، كالعاشق تماماً، فقد عرف العشق عشّاقاً كثيرين تمرّدوا على القوانين الاجتماعيّة والدّينيّة والأعراف السّائدة، بل إنّ العشق إذا تمكّن من القلب يقلب كلّ الموازين ليصنع موازينه وحده، لتتحطّم أمامه حواجز الدّين والطّبقات ?لاجتماعيّة والثّقافة وحدود الجغرافيا، ولم يعد العشق معترفاً بعداوة الأعداء، ولن أذكر لذلك أمثلة، فالأمثلة كثيرة ومشهورة. هذا هو حال العاشق، فما هي حال الشّاعر كما تشير إليه المقاطع المقتبسة سابقة الذّكر؟

لا شكّ في أنّ الشّاعر قرين الفيلسوف والرائي، وقد ورد في كثير من المصادر أنّ الشّاعر مرهوب الجانب عند كثير من الأمم، وليس في أمّة العرب وحدها، وأنّ للشّاعر مجداً عظيماً في التّاريخ البشريّ من عهد هوميروس إلى الآن، وقد كان الشّعراء يرافقون الحكّام ورؤساء القبائل في الحروب مشجّعين ومثيرين النّخوة والحميّة ومؤرّخين للانتصارات، ويكفي أن أذكر أبا تمّام الذي شهد موقعة عمّوريا مع المعتصم فخلّدها بقصيدة؛ ليشهد التّاريخ على عظمة الشّعر وقوّة المنتصر.

ولكن، لماذا تحرّم (الأنهي) الشّعر على الزّعيم، وللشّعر هذه المكانة؟ إنّ هذه الالتفاتة مهمّة جدّاً في مناقشة الفكرة، وبتأمّل الوضع الذي اتّخذه الحاكم بعلاقته مع الشّاعر، يتبيّن أنّ لكلٍّ «مهمّة خاصّة» لا يحقّ أن تتداخل مع الأخرى في منطق الآخرين، خاصّة الشّرائعيّين، عدا أنّ الشّاعر يصنع الجمال والمنطق الذي يشتقّه من الخيال، والحاكم/ الزّعيم ينبغي عليه أن يكون واقعيّاً يعالج الواقع ومشاكله، فلا يكون حالماً غارقاً في ما قد يظنّ أنّه وهم.

فماذا سيحدث لو تحكّم الشّعر ومنطقه بحياة النّاس؟ ألن تصبح الحياة أفضل، أكثر أمناً وسلاماً وجمالاً كما صرّح بذلك أكتافيو باث: «لا أعتقد أنّه سيكون لنا مجتمع جيّد من دون أن يكون لدينا أيضاً شعر جيّد»(4).

إنّ ما وقع فيه الزّعيم في «موسم تقاسم الأرض» في نظر التّعاليم وحرّاسها، كان جريمة مضاعفة، فقد كان شاعراً، وتعدّى ذلك لأن يصبح عاشقاً، إذن سيصبح حالماً ومحلّقاً، وسيغرق في سماء أخرى تبعده عن النّاس ومشاكلهم، بل إنّه سيتّخذ قرارات لن يفهمها النّاس، فهي بعيدة عن منطقهم الأرضيّ الواقع الذي تحكمه التّعاليم والشّرائع العقليّة.

وهذا ما كان مع الزّعيم، الذي وهب جزءاً من الأرض لتلك الحسناء التي عشقها، لذلك فقد اقترف «خيانة» هي في نظر النّاس لا تُغتفر. ولكونه شاعراً وعاشقاً أيضاً، فإنّ منطقه مختلف، فيه من الإنسانيّة والنّظرة العميقة أبعد ممّا يظنّ الشّرائعيّون الذين يراقبون تطبيقها بحَرْفيّة ومسؤوليّة. يقول الزّعيم ردّاً على تلك التّهم: «ما آلمني أكثر هو أن يسيء بي الظّنّ، فيتوهّم أنّي تنازلتُ عن أرض لا أملكها لحسناء الأغراب مقابل نزوة تملّكتني في لحظة ضعف!»(5). هذا الموقف عينه ما وقع فيه الشّعراء الصّوفيّون من أمثال الحلّاج والسّهروردي في تعارُض العمق الفلسفيّ الشّعريّ الحالم مع مقولات الفقهاء وأحكامهم.

إنّ هذا المنطق يؤلم الشّاعر والعاشق فعلاً؛ لأنّه لا أحد من الأرضيّين يحمل رؤيته وحلمه ونفسه الطّامحة للجمال الكونيّ المطلق، وهذا ما سيعلِن عنه الزعيم خلال حوار جرى بينه وبين أحد منتقديه: «لولا يقيني بما يرويه الأوائل من أنّنا كأمم لسنا سوى فروع نبتت في الأصل من شجرة واحدة، لاعترفت بأنّني خنت الواجب»(6).

إذن، لقد استند الزعيم على منطق خاصّ يقابل ذلك المنطق، ويعود إلى أصل البشريّة التي كانت واحدة موحّدة والأرض كلّ الأرض لها مشاع، فأينما حللتَ فالأرض لك، وإن ارتحلتَ عن بقعة فإنّما ترتحل في الأرض إلى الأرض، فكلّ الأرض سواء، وكلّ النّاس شركاء فيها، ثائراً بذلك على الحدود السّياسيّة والجغرافيّة الّي جعلت البشر «كنتونات» وأعداء وأنانيّين. وقد أشار قبل الكوني إلى هذا المعنى الشّاعرُ الصّقليّ مصعب بن محمّد بن أبي فرات القرشيّ معبّراً عن هذه الإنسانيّة الشّاملة بقوله:

إذا كان أصلي من تراب فكلّها بلادي وكلّ العالمين أقاربي(7)

وقد أعاد الشّاعر اللّبنانيّ سعيد عقل هذه الفلسفة في قصيدته «غنّيتُ مكّة»، فقد وحّد في نظرته تلك بين البشر جميعاً، ولم يقف عند حدود مسيحيّته وإسلام أهل مكّة، ولم يفرّق كذلك بين أبيض وأسود:

وأعِزَّ ربِّي الناسَ كلَّهمُ بِيضاً -فلا فرّقتَ- أو سُودا(8)

لقد برزت هذه الفلسفة واضحة عند الكوني في هذا المقطع: «ألن يعني هذا أنّ كلّ رحيل هو في الحقيقة التحاق، كما كلّ حلول في الدّيار هو عودةُ سليل ضالّ؟ ألن يعني هذا أنّ كلّ وطن ليس وطناً، ولكنّه مجرّد مسقط رأس، لأنّ الأرض كلّها في الأصل وطن واحد سكنه الإنسان الواحد، وتنقّل فيه الإنسان الواحد، مطارداً حلمه الواحد، ومهدهداً حنينه إلى فردوس مفقود لم يكن يوماً، ولن يكون أبداً، سوى أنبل ما في الوجود وهو: الحرّيّة؟»(9).

هنا تكمن القضيّة الأساسيّة للإنسان، شاعراً وعاشقاً وزعيماً ومواطناً عاديّاً. إنّها الحرّيّة، وما علاقة الحرّيّة بالشّعر؟ إنّها كلّ العلاقة، وقد ألمحتُ إلى ذلك سابقاً، بل تكشف المقتبسات التي افتتحتُ بها هذا الحديث عن هذه القضيّة الإنسانيّة، فالشّاعر يجب أن يكون حرّاً، والمواطن أيضاً يجب أن يكون حرّاً، فلا معنى للحياة إن لم يكن الإنسان حرّاً، ولا معنى لها إن لم يرفض الخضوع لتلك الشّرائع التي تقيّد الحركة العقليّة المتمثّلة في منح جزء من الأرض، وهو في الحقيقة ليس عطاء، بل حقّ فطريّ إنسانيّ طبيعيّ تفرضه طبيعة ?لتّكوين، والحركة العاطفيّة الكائنة في العشق، وحرّيّة الحركة في التّنقّل والارتحال بين آفاق الأرض، فتسكن أيّ بقعة تشاء.

لقد توسّل الكاتب إبراهيم الكوني بهذه الحيلة الكتابيّة لتوضيح مفاهيم إنسانيّة، ورؤيا فكريّة تنهي الصّراع الدّمويّ بين الكيانات السّياسيّة المعاصرة، صراع ليس من وراء اشتعاله جدوى سوى أنّه تعبير عن أنانيّة مفرطة، تفارق كلّ منطق سليم، لذلك ترى الزّعيم الشّاعر العاشق إنساناً متفوّقاً على تلك النّزاعات المهلكة للإنسانيّة فـ «أيّ سخف إذن في غزو الأرض لغاية الاستيلاء على أرضٍ هي أرضُ الكلّ، وتستطيع أن تحتضن الكلّ، وتهفو لأن تطعم الكلّ؟» (10).

فمن المؤكّد أنّ الكاتب عينُه على ليبيا وما فيها من صراع دمويّ على الأرض، وما توظيفه لأسطورةٍ من عمق التّراث الليبيّ إلّا ليقدّم رؤيته الشّاعريّة لحلّ الصّراع المحتدم، ولكنّه أيضاً يعمّم ذلك على كلّ صراع، ليشتقّ من التّراث المحليّ رمزاً إنسانيّاً يصدُق على وقائع متشابهة في أرض العرب وفي غيرها.

لقد جاءت هذه الفلسفة الإنسانيّة لدى الكوني، وكأنّها ردّ على مقولات فلسفيّة تقلّل من أهميّة الشّاعر والعاشق بما يملكانه من حسّ إنسانيّ جميل، بل إنّها تتقاطع، وبشكل مقنع، مع فلسفة أفلاطون في مدينته الفاضلة؛ فلم ينفِ الشّعراء جميعهم خارجها، بل كان يقصد نوعاً معيّناً من الشّعراء(11)، هؤلاء المطرودون وباءٌ يجب أن يحذر منه المفكّرون والفلاسفة والحكّام. وأكّدت هذه الفلسفة أنّ الشّعر روح العالم وقلبه، بل وعقله أيضاً، فالحياة بلا شعراء وبلا عشّاق حياة ميّتة، كما قال الكوني، وكما تقرّره البشريّة عبر مسيرتها الطّويلة.

(1) صدر الكتاب عن دائرة الثّقافة بالشّارقة، ضمن سلسلة «كتاب الرافد» (العدد 141، أيار 2017)، ويقع الكتاب في (100) صفحة من القطع الصّغير.

(2) السّابق، ص35.

(3) السّابق، ص36.

(4) مجلّة «إبداع»، الإصدار الرّابع، العدد الثّاني، تشرين الثاني/ كانون الأول 2017، ص75.

(5) السّابق، ص81-82.

(6) السّابق، ص84.

(7) «خريدة القصر وجريدة العصر»، العماد الأصفهاني الكاتب، الجزءان الثّاني والثّالث (قسم شعراء المغرب والأندلس)، الدّار التّونسيّة للنّشر، ط2، 1986، ص223.

(8) المجلّد السّادس، نوبليس، ط2، 1991، ص86. والقصيدة من ديوان «كما الأعمدة»، الصّادر في طبعته الأولى عام 1974.

(9) «موسم تقاسم الأرض»، مرجع سابق، ص97.

(10) السّابق، نفسه

(11) لم يطرد أفلاطون من مدينته الفاضلة كلّ الشّعراء، بل مَن يبتعد منهم عمّا يطلق عليه «الفضيلة»، «إنه لَمِن الممكن أن نتصوّر أنّ معاصري هوميروس، أو هيسيود ثانيةً، قد سمحوا لكلّ منهما أن يتجوّل كراوٍ محترف للقصائد الملحميّة، إذا ما كانا قادرَين حقّاً أن يساعدا الجنس البشريّ على التقدّم إلى الأمام في ممارسة الفضيلة». المحاورات الكاملة، نقلها إلى العربيّة: شوقي داود تمراز، الأهليّة للنّشر والتّوزيع، عمّان، 1994، المجلّد الأول، «الجمهوريّة»، ص452-453.

كاتب فلسطيني