أسماء حسين

تماماً تحت مطبخي، تكون غرفة نوم جاري، ممنوع أن یصدر مني أيّ صوت مزعج، ممنوع أن تحتكّ الصحون بعضها ببعض، ممنوع أن تتحرك الملاعق والشُّوَك والسكاكین كثیراً، ممنوع أن أزیح الكرسي محدثةً جلبة، ممنوع أن أفتح الثلاجة بقوة، كل شيء ممنوع عندما یعود ذلك الجار من عمله. إنه مجنون تماماً، وفي هذه البنایة یجب احترام المجانین. هذه مثلاً حكایة لا تعجبني، ذات مرة قمت بتقطیع اللحم فسمعت ضجّة مرعبة تحدث تحت قدمي، عرفت أنه قد سمع صوت التقطیع، فوقف على الكرسي ودقّ السقف بعصا المكنسة، كان ذلك غیر طبیعي!

منذ أكثر من سنة أعیش في هذا المكان وأتابع جنونه، والیوم فقط التقیت به، كان خارجاً من شقته، ورأیت أكداس البرید في مدخل شقته المضاءة، وابنته الصغیرة التي لم أعرف كیف یبدو صوتها یوماً، تتبعه في صمتها المعتاد.

لم ینظر إليّ حتى، كان یجرّ حقیبة سفر كبیرة، ظننت أنها تخصّه، وانتابتني سعادة غیر مبررة فجأة، عرفت في ما بعد أنها تخص ابنته الصغرى التي كانت آخر ما بقي معه من عائلته قبل أن تغادر معسكرَه الصارم لتطیر بدورها بعیداً. تركتُ المصعد له وعدتُ إلى البیت بسرعة، شغّلت أغاني «بویكا» بصوتٍ عال وبدأت بجلي الصحون وخبطت الأرض من دون قلق وكأنني أحتفل بحریتي للمرة الأولى.

بعد مرور بضعة أیام وجدت أصحاب البنایة یُخْلون الشقة من أثاثها وعربة مألوفة یحمل بعضهم إلیها جسداً ملفوفاً بعنایة، كانت جثة ما، جثة على ما یبدو أن الجار المتعصّب كان یمضي أیامه في رعایتها، دون أن یملك صلةً ما تكفل له حقّ وداعها الآن مع مَن یحملونها! حیث فتّشت بعیني بین الجمیع دون أن أرى أثراً له.

بعد ذلك الیوم صرت أستمع بحریة إلى كل أغنیات «بویكا» وأستخدم السكین متى شئت، وبأملٍ یشوبه ذلك الحزن الذي أجد فیه غرابة كبیرة، كنت أرهف السمع في الكثیر من اللیالي إلى أرضیة المطبخ كلما أصدرتُ ضجة ما، منتظرةً أن تأتیني بعض الخبطات الغاضبة السریعة من أسفل قدمي، لكنها لم تأتِ مجدداً أبداً.

كاتبة مصرية