حليمة الدرباشي

باب رقم (1)

دخل الجندي من باب المدرّعة، المدرّعة ساخنة تهبّ منها روائح الدبق، يتطاير فوقها قطعة قماش سوداء، خيالات حسناوات تحوم في السقف الصدِئ، تستطيل رقبته للأعلى بينما يداه مكبّلتان بمقبض المدفع، تهبط إحداهن لتقف أمامه، فيصوّب المدفع نحو خيال على بعد أمتار، تَبرز عروق رقبته الحارة، فيطلق القذيفة.

باب رقم (2)

خرج الرجل حذراً من باب الغرفة، الغرفة كانت بيتاً يتناسب مع نحوله، يمشي في الطريق الذي يفضي إلى ساحةٍ صارت مركزاً للصغار التجار، يقف في انتظار «التاكسي» الذي سيقلّه إلى عمله.. يقف في انتظار القذيفة.

باب رقم (3)

خرج رجل سمين من البقالة التي كانت تأخذ مكاناً صغيراً في زاوية الساحة، وجد رأس النحيل يدور حول الجثة، هرع إليه فأمسكه وقرفص جوار الجثة التي ما زالت ترتعش محاولاً إعادة صاحبها إلى حيث كان، فتناهى إلى سمعه دوي انفجار آخر وصوت سيارة إسعاف خلفه.. انتظر سيارة الإسعاف.. انتظر قذيفة أخرى.

باب رقم (4)

دخل رجلٌ آخر مكبَّلاً معصوبَ العينين مكاناً تفوح منها رائحة الرطوبة ممزوجة بروائح أخرى قدّر أنها دم وعرَق وبول، قدّر أيضاً أن في المكان سطلاً قذراً وصنبور مياه، إذ كانت قطرات المياه الساقطة في السطل تواظب عملَها بانتظام، وقد يكون في المكان أجساد ذابلة وأسرّة ضيقة وشاويش، قذف به المدجَّج بالأسلحة بينما كان مدجّج آخر يطلق قذيفة ثالثة.

باب رقم (5)

راحت قطرات الماء تحفر في عقله حفرة، تحفر وتحفر حتى صارت تتسع لعبارات الشفقة التي كانت تبدأ بكلمة «مجنون»، ومع كل قطرة كان هناك باب ينمو في السقف، نما واتسع حتى صار يقدر على ابتلاع أرواح كثيرة تتزاحم عند مدخله كلَّ فجر جديد تهبط فيه قذائف كثيرة.. قذائف جديدة.

باب رقم (6)

صوت: «هالأسمر اللون».

الرجل الذي استحال حبيباً مفقوداً، سمع ذاك الصوت الناعم المنساب من ثنيات الفراغ، فقفز قلبه، ذهب يبحث عن مصدره كل يوم، اليوم الذي صار ليلة، فعثر على باب مغلق يطفو في الفراغ، ينساب من الفتحات المستطيلة المحيطة به ضوءٌ ودخان وصوتُ بكاء طفل، الباب ينمحي تدريجياً، وقبل أن يصير وهماً قذف الرجل بقلبه فيه فابتلعه، بينما كانت قذيفة مفاجئة تبتلع ذلك الطفل.

باب رقم (7)

خرج الجندي من المدرّعة تائهاً يلاحق طيف حسناوات فَرَرْنَ من السقف، الجندي ذو اللحية الكثة والأسنان الصفراء التي يتراكم الكلس على حوافها، الحسناوات يواصلن الفرار، وهو يواصل اللحاق بهن، وما إن أمسك بطرف ثوب إحداهن حتى انفجرت وتكاثرت، فتكاثرت في رأسه القذائف، حتى صار يقذف الوهم كل لحظة.

باب رقم (8)

مرّت فصول كثيرة، القذائف التي كانت تسقط على السطوح والرؤوس والمقابر بدأت تنحسر، والأبواب بدأت تُرفع من جديد فتتدفق الحياة منها، وما إن خرج الرجل الذي صار له ظهر مقوَّس وشَعر أبيض من الباب الذي قُذف منه ذات يوم، حتى وجد بابَ بيته ما زال هامداً، فتسلّق الركام واعتلاه ساهماً في الحيوات المنبثقة من الأبواب المجاورة، والحسناوات اللواتي يصعدن الأبواب السبعة فوقه فارّات من الجندي الذي أصبح يسلّط قذائفه صوبهن فقط.

باب رقم...

اجتازه الرجلُ المحرَّر، وبالرغم من عثوره على حشد كبير إلّا أن أحداً لم يكن في انتظاره، الكل منهمكون في الرقص، وحبيبته منهمكة في النأي، تتزاحم الأفكار والذكريات فتصير أفواهاً تضحك وتصرخ وتبصق وتقبّل وتشتم، وهو يدور معها عندما أدرك أن قطرات الماء تلك أحالته إلى مجنون، فهرب نافذاً من الباب نفسه، باحثاً عن باب يدخل إليه المجانين فقط، ويخرج منه المجانين فقط.

كاتبة أردنية