من كتاب «رحلة فكرية في أعماق النفس البشرية» للكاتب الاردني عبدالله محمد شحادة الصادر في عمان عام 2008».

«هل تذكر انه قد قيلت لك–من قبل–عبارات مثل: أنت غبي، إنك كسلان ولا يمكنك أبداً عمل أي شيء.. أنت غير مُنظّم.. أنت تشبه فلاناً في الغباء والكسل؟!.

واقع الأمر إنها رسائل أُرسِلت الى عقلك الباطن يأخذها ويعمل بها ويؤكدها لك... فالثابت علمياً أنه خلال الـ18سنة الأولى من عمرنا, وعلى افتراض اننا نشأنا في وسط عائلة إيجابية إلى حد معقول, نكون قد تلقينا 148 ألف رسالة سلبية!!! وستصل دهشتك الى ذروتها عندما تعلم انه في نفس الفترة كان عدد الرسائل الايجابية التي وصلتنا لا تتجاوز 400 رسالة فقط.

وهذا بالطبع يعني ان آباءنا وامهاتنا لم يكونوا سيئين ولكن–للاسف–لم يكونوا على دراية بأية طريقة تربوية سليمة، وبالتالي قاموا بتربيتنا بنفس الطريقة التي تربوا عليها من آبائهم!! وقاموا ببرمجتنا سلبياً دون قصد ولكن مع حبهم لنا، انها سلوكيات موروثة!!.

ولك ان تقيس على ذلك الرسائل الواردة من المدرسة والاعلام والناس ورفقاء السوء والجيران..الخ.

ان الخلل الداخلي وتحدثك مع نفسك بسلبية يبعث رسائل وإشارات سيئة الى العقل الباطن مثل: أنا خجول، أنا ضعيف، أنا ذاكرتي ضعيفة جداً، أنا لا أستطيع إنقاص وزني، أنا لا أستطيع التحدث أمام الجمهور، أنا شكلي غير جذّاب، فتصبح جزءاً لا يتجزأ من اعتقاداتك القوية، وبالتالي تؤثر على احاسيسك وتصرفاتك، وسلوكك.

ومن اخطر الكلمات السلبية هي كلمة (ولكن...) اذ يقول الشخص انه يرغب في التغيير ويضيف كلمة (ولكن...).

ومما يؤسف له حقا ان هذه الكلمة تمحي الاشارات الايجابية التي سبقتها مثل: أريد التوقف عن التدخين ولكن أخشى من زيادة وزني نتيجة لذلك.. أريد انقاص وزني ولكني لا استطيع.. أُريد إرسال أولادي الى الرحلة المدرسية ولكني اخشى اخطار الرحلة.

والآن دعني اقول لك أنت ممتاز ورائع.. ولكن.. ماذا سيدور في ذهنك.. ستقول فوراً بينك وبين نفسك.. أنا لا أستاهل الامتياز والروعة.

إن كلمة «ولكن...» تمحو كل ما جاء قبلها، ان الناس تستعملها للتهرب من اتخاذ اي قرارفعال.. فوراء هذه الكلمة وكلمة «انا لا استطيع...» يوجد خوف يمنع الانسان من الوصول الى هدفه.

ان التقليل الايجابي من التحدث مع الذات هو اقوى المستويات واكبر مصدر للقوة ودلالة على الثقة بالنفس. فاعتقادك هو الذي يُحدد مصيرك.

ومن اشد التقبل الايجابي ان تقول لنفسك: انا استطيع التوقف عن التدخين، انا عندي ذاكرة قوية انا انسان ممتاز، انا قوي...الخ.

كل هذه الرسائل الايجابية تدعم خطواتنا بالثقة تجاه أهدافنا، فأفكارنا تحت سيطرتنا ومن الممكن ببساطة توجيه التحدث مع الذات الى الاتجاه الذي نريد مما يُحوِّل حياتنا الى تجارب مليئة بالنجاح.

ان صحة الانسان او مرضه مرتبطة ارتباط وثيق بالصور والتخيلات التي تعطيها وتؤثر على عقلك الباطن، فاذا اثرت عليه–اي عقلك الباطن – سوف تأتيك افكار وتخيلات الصحة بدلا من افكار وتخيلات المرض.. وسيبقى لك دوما جسما صحيحا معافى من العلل والامراض.

ان معظم الامراض تبدأ من العقل الباطن، والسبب هو الخوف من المرض او عدم المقدرة على منع المرض.

ان العقل الباطن يقبل إيحاءات العقل الواعي الظاهر وبصفة خاصة الايحاءات الممزوجة بالعواطف.

قدِّم الى عقلك الباطن فكرة الغذاء مثلا..الذي تتناوله سوف يعطيك الطاقة والحيوية، ثق انه بعمله السحري الطبيعي سوف يقوم بالمهمة بصورة متقنة واكيدة، فهذا هو عمله وهذا هو قانون الطبيعة والحياة.

ان العقل الباطن يتقبل دون مناقشة او منطق اي شيء تفكر فيه.. سواء أكان صحيحا او خاطئا.. وحتى الخزعبلات. لأنه يعمل كآلة صماء (كمبيوتر) يُعطي المعلومات التي ادخلها به العقل الحاضر الواعي.

فان فكرت في المرض بدل الصحة فانه يستجيب لهذه الافكار بعد حين قريب او بعيد.. واذا فكرت بالفقر ستحصل عليه ايضا، واذا فكرت في السعادة والصحة والشباب الدائم فانه سيستجيب ايضا لهذه الافكار الايجابية التي يسمح عقلك الواعي الظاهر بمرورها اليه.

وهناك تحذير لا بد من الانتباه اليه وهو: اذا فكرت بأفكارٍ ايجابية؛ ففي اللحظة التي يبدأ عقلك الباطن يعمل فإنه سوف يمتصها ويستجيب لها. واذا قمت بادخال افكار سلبية فان هذه الافكار السلبية تُلغي الافكار الاولى الايجابية!! والنتيجة انك لا تحصل على شيء.. اذ دائما العمل الثاني او الفكرة الثانية تُلغي الأولى.

وهناك حيلة صغيرة بامكانك تسريع عمل العقل الباطن بها.. وذلك بمزج الافكار التي تُمليها: بالعاطفة والصور التي تريدها.. لأن العقل الباطن يحب الصور، والصور تساعد على المرور من العقل الواعي الظاهر الى العقل الباطن ليقوم بدوره بالاستجابة والتنفيذ بسرعة.

فمثلا اذا فكرت في العطاء تصور فرح وسعادة الآخر، بعدها تأتيك سعادة غامرة.

يقول فولتير: «يمكن مقاومة الجيوش ويستحيل مقاومة الافكار».

ويقول المثل الاميركي «النجاح في الحياة سُلّم لا تستطيع تسلقه ويداك في جيبك».

وكيف تجعل العقل الباطن يعمل بسرعة؟! لتسريع استجابة العقل الباطن تظاهر بالشعور الذي تريده.. انه يمكنك ان تتظاهر بالسعادة والصحة حتى ولو لم تكن كذلك!!، وبعد مدة وجيزة يلتقط مغناطيس العقل الباطن هذه الصورة المصحوبة بالعاطفة ويستجيب لها وفي احيان أُخرى عليك ان تُعطي عقلك الباطن امرا حازما فليتقطه ويستجيب له.

بامكانك ان تتخيل او تتصور الصحة والعافية حتى تشعر بها، ولا تفكر ابدا كيف يقوم العقل الباطن بهذه الاستجابة وينفذها، لان هذا الامر من اختصاصه بالطريقة المبدعة التي خلق بها، دعه يعرف فقط ماذا تريد، واسأله ان يحققه لك. فالناس يحصدون ما يزرعون فاذا اردت المحبة من الناس فأعطي اولاً المحبة لنفسك.

اذا اردت ان تستكثر من الخير فكر بالخير.. وركز بقوة على صورتك العقلية وعلى ما تريده، وليس على ما لا تريد.

ابتعد عن افكار القلق والخوف ولا تخف من اي شيء لان شعور الخوف كالمغناطيس «ما تخافه يأتيك».