أبواب -وليد سليمان

حمزة المعايطة ينتمي للجيل الرابع من آل المعايطة،وهو أحد بائعي الكتب التراثية النادرة والكتب القديمة المستعملة.

مكتبة «محل الماء» كانت سابقاً تابعة لمكتبة خزانة الجاحظ الشهيرة في قاع المدينة-عمان, تلك الخزانة القديمة التي أسسها والده ممدوح المعايطة الملقب بالجاحظ.

لكن حمزة المعايطة عاشق الكتب القديمة استقل عن المكتبة الأم, وافتتح مكتبته هذه في العام 2000 بجانب آثار سبيل الحوريات في عمان, وقرر بعد ذلك في العام 2016 إطلاق اسم (محل الماء) عليها!! ليعكس فلسفته بأن الكتب مهمة جداً وتساوي في أهميتها اهمية الماء للانسان، وانه يجب الوصول الى الكتاب بالسهولة ذاتها التي نحصل بها على الماء روح الحياة.

لذلك فإن حمزة يرفض وضع اي سعر للكتاب ويترك للمشتري حرية تقدير الثمن، لأنه مسح فكرة التعامل مع الكتاب كسلعة تجارية، حتى أنه قد يصل الأمر به الى تقديم الكتاب مجاناً!!.

لذا فقد علق صندوقاً مُثبتاً على الحائط يشبه صندوق البريد ليدفع الشخص الشاري للكتاب ما يريد مقدرا ثمنه بنفسه.

لماذا الماء بالذات؟!

ويقول حمزة عن «الماء» حيث اشتق اسم مكتبته هذه التي تقع بجانب نبعات ماء عمان القديمة والتي اختفت منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي ما يلي:

«كانت عمان في قديم الزمان ايام الرومان تُسمى–فيلادلفيا–ومدينة الحب الأخوي والسلام.

وقد أحيا عمان قديما نهر صغير ولكنه طويل–وهو السيل فيما بعد- حيث نشأت على ضفافه أولى المجتمعات البشرية الزراعية في التاريخ كمنطقة عين غزال».

ويضيف «بنى الرومان عليه في وادي عمان وسط البلد سبيلاً للماء ومركزا اجتماعيا وثقافيا، الى أن جاء عصر الاسمنت والاسفلت فغُيّض الماء وسقط النهر وجفت الحياة. والآن على الضفة القديمة لنهر عمان وبجوار سبيل الحوريات أسست محل الماء، لأن الماء مبدأ الحياة والفكر ونشوء التحضر».

ويتابع حمزة :إنني أعمل في محل الماء على حفظ التراث الانساني والمعرفي واستعادة الهيبة لمصادر العلم والوعي والكتاب النادر، وتيسير سُبل تحصيلها لطالبيها لقراءتها، واتاحتها بأفضل شكل وصورة، وتشجيع الحوار وتقبل الآخر، لكي تصبح القراءة متاحة للجميع اطلقت (مبادرة الماء) بعنوان «استفد وادفع ما تشاء!!, بالإضافة الى إقامة معارض شعبية في المدارس والجامعات».

ويقول: قريبا سنعمل على إقامة معارض الكتب في المخيمات والسجون والمعسكرات وفي القرى والمدن في بلدي وفي كل البلدان، لذا سوف تجري المياه والكتب من جديد بدعم القراء وعشاق القراءة والكتب.

ترميم الكتب!

ويوضح ذلك بقوله: «التعطش للكتاب مثل التعطش للماء...فبعض الكتب القديمة تكون أغلفتها ممزقة فأبتكر لها غلافا جديدا بنفس الاسم بخط يدي واكتب اسم الكتاب ومؤلفه ودار النشر والمطبعة والسنة والمقدمة.. الخ، وذلك كي أُحيي الكتاب وبالذات اذا كان بطبعة قديمة ونادرة.. وذلك رغم ان بعض الكتب والمخطوطات يبدو عليها المظهر الرث والقديم، إلا أنني أقدر قيمة اي كتاب مستعمل يصل إليَّ».

مثقفون لهم التقدير!!

ويشير حمزة إلى مثقفين يقدرهم من بينهم: «الخطاط الشهير «حسين الازعط» الذي يحول الحرف والكلمة بخطه الجميل الى لوحة من ذهب، فقد صمم لي غلاف كتاب قديم نادر لجبران خليل جبران اسمه «عرائس المروج» ورسم على غلافه صورة لجبران، واشتراه احد الأجانب رغم انه لا يعرف اللغة العربية!!».

وحسين الازعط درَّب حمزة بعض الوقت على كيفية العناية بترميم أغلفة الكتب- التي تحتاج الى ذلك- وكتابة عناوينها بخط جميل أو مقبول على الأقل.

«ومنهم كذلك «ألن» وهو طالب جامعي أميركي يدرس في الأردن قبل سنوات وكان يتقن اللغة العربية جيدا، والذي عاد الى بلاده بعد الدراسة».

«ألن» تحدث سابقاً عن حمزة وكيفية تعامله مع الكتب بقوله: حتى لو تبقى من الكتاب قطعة صغيرة !! فإن حمزة يضعه في صندوق خاص، لأنه يؤمن أن أحداً ما سيحتاج لهذا الكتاب ربما خلال مئة عام قادمة!!.

وكان ألن قد أعرب عن إعجابه بمكتبة محل الماء منذ أول نظرة، والتي وصفها بـ «كهف الكتب»، وقال:إنها تبدو وكأنها قادمة من زمن آخر.

وأضاف: عندما ذهبت أول مرة الى مكتبة حمزة رحَّب بي وتحدث معي بأكثر الكلمات العربية فصاحة وبلاغة، فهو يستقبل مَنْ يترددون على مكتبته بفرح كبير وامتنان ملحوظ، بغض النظر عن هويتك».

وفي سنوات سابقة مرض حمزة وانقطع عن العمل في مكتبة «محل الماء» وتراكمت عليه الديون- كما الآن-، فما كان من الصديق الاميركي إلا أن قام بمبادرة لإعادة إحياء محل الماء مرة اخرى.. وكان عدد الداعمين كبيراً وغالبيتهم العظمى كانوا من الاجانب!!.

الكتب كنز عمان الدفين

مئات من الكتب القديمة في مكتبته وفي منزله ما زال يحتفظ بنسخٍ منها؛ تلك التي درَّسها المعلمون لطلابهم, ومنهم هؤلاء الذين تخرجوا وأصبحوا من أهم رجالات ومؤسسي الدولة الأردنية في جميع شؤون الحياة والمجتمع.

ومن مؤلفي بعض هذه الكتب المدرسية القديمة بنسخها الاصلية نذكر مثلاً: روكس بن زائد العزيزي، حسني فريز، عيسى الناعوري، خليل السكاكيني، راضي عبدالهادي، عبدالحليم عباس، ابراهيم قطان، خليل السالم، محمد اديب العامري، عمر فائق الشلبي، عبدالرحيم مرعب... الخ.

ومن عناوين تلك الكتب مثلاً: المطالعة الجديدة في القراءة العربية.. مبادئ الكيمياء الحديثة.. الموجز في تاريخ العرب والمسلمين.. المبتكر لتعليم القراءة العربية.. الجديد في القراءة العربية.. تاريخ العالم القديم.. مبادئ الدين الاسلامي.. الحساب الابتدائي للصف الخامس الابتدائي.. مبادئ حفظ الصحة لنفس الصف.. الزنابق.. مسرحيات مدرسية صيحة الحق لسمير رسلان.. المطالعة العربية... الخ.

اما عن الكتب الأخرى فقد كان لدى مكتبة الجاحظ مثلاً: قاموس عثماني من أربعة أجزاء تمت طباعته عام (1305) هجرية، وهناك كتاب نادر آخر عنوانه (روضة الآسي في الطب السياسي) أي الشرعي, لمؤلفه حضرة ابراهيم افندي حسن خوجة تمت طباعته منذ حوالي (200) عام بمطبعة المدارس الملكية.. وهذا الكتاب تفتقر له المكتبة العربية الآن !! لأنه ما زالت تُترجم مثل هذه المواضيع عن الكتب الأجنبية!!.

و لديه كذلك كتب اخرى بلغات مثل الشيشانية والشركسية والارمنية، وباللغات العالمية الأخرى المشهورة كالفرنسية، الاسبانية، الالمانية, والانجليزية التي تعود لفترة الانتداب البريطاني على فلسطين في بداية القرن العشرين.

اما عن الكتب العربية الثقافية الاخرى فكانت مثلاً: وفيات الاعيان، في بحر السندباد، الدرة الفاخرة في الأمثال السائدة، المنازل وطبقات الاصول، نظرية الثورة العربية، عيون الأثر، في منزل الوحي، يوميات خليل السكاكيني، شرح ابن عقيل، علم الاجتماع، الاتجاهات الوطنية، صحيح البخاري، التراث الشعبي، ديوان الشعراء، حاشية الصباح.. و مجلدات الجريدة الرسمية الاردنية، ومجلدات جريدة الصحفي الاردنية القديمة.

وهناك عدة نسخ قديمة من كتاب أطلس العالم باللغة العربية طباعة لندن في نهاية عام 1948.

محل الماء ليس مجرد مكتبة

ومحل الماء ليس مجرد مكتبة او مخزن لبيع الكتب القديمة والمستعملة بل ايضا بمثابة مكان لاقامة الفعاليات الفنية والثقافية العفوية حيث الموسيقى والعزف على العود وإلقاء الشعر..حيث يطمح حمزة لإقامة صالون ادبي، مثلما فعل والده ممدوح في جبل اللويبدة بعمان خلال ستينيات القرن الماضي.

وقد فاجأني حمزة بقوله: ربما أغلق هذه المكتبة فقد تراكمت الديون عليَّ!! فايجار المحل لم أدفعه منذ شهور.. وفيضان أمطار عمان التي أغرقت وسط البلد منذ شهور أتت على محلي وأتلفت الكثير من الكتب النادرة!!.

ومع كل آلام حمزة الدفينة لحاله وحال مكتبته التي تعصف بها رياح الإغلاق!!! فقد قال: «ربك بيفرجها» ثم ابتسم وطلب لنا الشاي وأمسك بعوده وأخذ يردد كلمات من أغنية «اول همسة» لفريد الاطرش»:

كان أحلى همسة لأحلى وردة

فاكرها لسّــة زي النــــــهار ده

كان القدر راضي علينا حنون

كان القمر جماله يسبي العيون

و عــاهدتني و سألتني

بإيدك سقيتني الهـــــنا و الحنان

وعدت وسقيتني الضنا و الهوان!!!.

ثم أخرج دفتراً وقال ألا تدري أنني أكتب أحياناً شيئاً ما يشبه الشعرالحر, وتلك كلمات كتبتها في حب الكتاب:

ليلتي لم تنته

منذ يومين أمارس

هوايتي ولن اكتفي

أغفو أنسج رؤيا

أصحو أحققها

ليلتي فكرة عزفتها الأوكسترا

سمعت صداها فأرددها

أحتضن صفحات ماتت

أحيي بلغة العيون رسمها

أمسحها بمقلتي

أتصفح وجهها

أتحسسها بالماء

شعاع ينبثق هناك

حيث سرادق الشموع

مَن أتاها نال الهدى.

مع صحبة الموسيقى!

وعندما سألنا حمزة عن حكايته مع الموسيقى؟! رجع بالذكرى لأيام الطفولة فقال:

بداية تعلقي بالموسيقى ان والدي ممدوح المعايطة–وكنت طفلاً صغيراً- اشترى لي ذات يوم آلة صغيرة تشبه «البيانو» كي أتسلى بها في اوقات فراغي، وعندما كبرت تعلقت كثيرا بالموسيقى والغناء.. فاشتريت هذا العود الذي اسميته بالسبعاوي المزجج من صنع الشام, فهو لامع مزجج وله سبعة أوتار, لست محترفاً في الموسيقى والغناء.. ولكنني أقوم بذلك أحياناً مع نفسي وأحياناً بين الاصدقاء.

مبادرة القط المعروف

وكان لدى حمزة مبادرة اسمها «القط المعروف»!! وهي الاهتمام بقطط الشوارع الضالة والمشردة والتي تدوسها السيارات ليلا، فهو يقوم بتربيتها ويضع لها طوقاً يشع بالليل ويكتب اسم القط الذي يختاره حمزة.. كي يصبح معروفاً للجيران والمحلات من حوله!!.

وهناك كثير من الناس ممن تبنوا هذه القطط واخذوها معهم الى دول خارج الاردن.

وأوضح عن معلومة تاريخية بقوله: هناك في تراث اليابان يعتبر اليابانيون من خلال تراثهم ان القطط هي حارسة المخطوطات!!، ولا ننسى ان الفراعنة القدماء كان لديهم اهتمام كبير بالقطط!!.

الكتاب ضروري كالماء!!

أسمعنـــا حمـــزة عاشـــق الكتـــب التراثيــة والتاريخية من أقواله المهمة حول الكتاب ما يلي:

-مهمتي المساهمة في البناء الثقافي للاجيال الشابة، وليست تلك مهنة بل تطوع وهواية وحب وليست تجارة.

- لا أقتني او أبيع في محل الماء الكتب ذات الفكر الظلامي مثل كتب السحر والكراهية والعنصرية والطائفية.

- وافضل الكتب إطلاعاً لديّ هو الكتاب الذي يكون بين يديّ فهو يشدني، واذا كان الكاتب متوفى فانني وانا اقرأ له اشعر بالحزن.

- وقد شبّه احدهم الكتب بالزوارق، منها من يغرق ومنها ما يظل يسير في مجرى الحياة.

- وابو العلاء المعري من افضل الادباء العرب القدامى، حيث يجب الاهتمام بتراثه لأنه كاتب ومفكر وشاعر رائع ومبدع.

- ورواية كوخ العم توم لسومرست موم.. لولاها لَمَا أُلغيَ الرِّق والعبودية في اميركا.

- ويُقال ان علماء التقنية توصلوا وتنبهوا رغم كل عصر التقنيات الالكترونية الحديثة الى انه في المستقبل لا بد من الرجوع الى الكتاب والورق والاقلام، لأن ادوات التقنية الحديثة ربما تتلف او تتعطل، فالاقراص والفلاشات والاحتفاظ بالمعلومات ربما تختفي، فلا بد من حفظها الى الابد في الكتب.

مشاريع حمزة الى أين؟!

- من المشاريع القادمة لمحل الماء- إن لم يُغلق- هو ان حمزة سوف يشترك في الشهر القادم بمعرض «مركز بيروت للفن» حيث ارسل لهم فيديو عن إحدى قططه التي أظهرت حرصها على الكتب التي كانت ملقاة عند إحدى الحاويات على الرصيف.

- وهناك دعوة من المركز السابق لحمزة لعرض لوحات أغلفة الكتب التي قام على ترميمها بشكل متميز بالمعرض الفني الذي سيتم افتتاحه في بيروت من 17 تموز الى 21 ايلول, وصاحب فكرة هذا المشروع هو برنارد شيلي.

- بينما تشرف على هذا المعرض المثقفة والفنانة من نوع خاص «آلاء يونس»!! فهي تعيد صياغة الاشياء بشكل جديد ورائع؛ كالتحف والصور والمعلومات والروايات والمحفوظات الاخرى.

- وبواسطة المثقفة والمصورة الروسية «هيلغا نوثلغا» سوف يتعاون حمزة مع دور نشر روسية لإحضاركتب الادب الروسي باللغة العربية والروسية الى الاردن.. فهناك الكثير ممن يطلبون ذلك في عمان.