أبواب - زياد عساف

«كيد النسا»، حكم أشبه بإعلان حرب بين الجنسين يردده الناس منذ بدء الخليقة ولا زالوا، وبغض النظر عن الاختلاف أو الاتفاق حول هذا التصور الا انه اشبه بفاتح للشهية الذي مهَّد لإنتاج العديد من الأفلام منها الجاد و منها الضاحك ورغم تفاوت مستوى هذه الأعمال تبقى في حد ذاتها مرجعا هاما لدراسة الواقع الإجتماعي و الثقافي للشعوب، نظرا لأن أهم معايير التقييم لمجتمع ما يعود الى موقفه من المرأة و المكانة التي تحظى بها في أي مجتمع على امتداد العالم و في أي زمان ومكان.

صفة..

ربط صفة الكيد بالمرأة وعلاقتها بالجينات مباشرة يجافي المنطق خاصة مع وجود نسبة كبيرة من الرجال يمتازون بهذه السمة وما يجمع عليه الكثير من الباحثين والإخصائيين في العلوم الإنسانية ان هذه الحالة ما هي الا نتاج رد فعل تجاه كثرة الضغوط والقمع المفروض على النساء قياسا بالرجال ومنذ القدم ما أفقدها حرية التعبير عن رأيها، وأخذ زمام المبادرة لتحقيق الذات قبل ان تبدأ بالحصول على الحقوق الطبيعية المشروعة، مع ضعف القوة الجسدية بطبيعة الحال ما ادى لاستخدام هذا الأسلوب كحالة دفاعية للوقاية من اشكاليات اوجدتها مجتمعات ذكورية حتى في العديد من بلاد الغرب التي تتدعي انصاف المرأة، وفي الوقت نفسه راحت تقدمها على الشاشة الكبيرة في دور المرأة المهمشة والسارقة والقاتلة والساذجة أيضا.

الستات عفاريت..

«الستات شربات..تحيا الستات.. الستات ما يعرفوش يكذبوا»، اسماء وعناوين لأفلام عربية قديمة توحي بالمديح والاطراء للمرأة، وعلى الجانب المقابل يحفل أرشيف الفن السابع بأعمال سينمائية لاتخلو من الإدانة لنصف المجتمع الاّخر ومنها «الستات عفاريت.. عفريتة هانم..حقد امرأة.. جبروت امرأة»، وتستمر السلسلة بين الحالتين حتى تراكمت عشرات الأعمال منها ما أصبح في طي النسيان وأخرى أحدثت صدىً لدى الجمهور والنقاد بإثارتها العديد من القضايا الجديرة بالنقاش لدرجة المطالبة بتغيير القوانين المجحفة بحق المرأة.

غيرة..

حالات وأشكال مختلفة قدمتها السينما العربية يبرز من خلالها الدوافع المؤدية لبروز هذه الصفة لدى المرأة، وفي مقدمتها أن المشكلة داخلية باغلب الأحيان، أي الغيرة بين النساء انفسهن ما أدى لتدبير المكائد والحيل لتحقيق الهدف المنشود، ومن الأمثلة على ذلك الأفلام التي تتطرق لحياة مطرب مشهور او في طريقه للشهرة، ويصبح موضوع تنافس بين امرأتين وهذا ما ينطبق على مديحة يسري عندما سعت لتدبير المكائد بهدف التخلص من فاتن حمامة التي تنافسها على قلب فريد الأطرش وذلك ضمن احداث فيلم لحن الخلود انتاج عام 1952، والرهان بين كابتن كريمة (صباح) وكابتن ميرفت (منيرة سنبل) عندما تنافستا على من تسبق أولا بحلق لحية وشارب عبد المنعم (عبد الحليم حافظ) بفيلم شارع الحب 1958.

اعترافات زوج..

أما كيف يكون الحال عندما تظهر على الساحة مطربة جميلة وجارة في الوقت نفسه بمواصفات هند رستم، هذا ما اثار غيرة شويكار جراء شكوك روادتها اثارها اهتمام زوجها بالجارة الجميلة، ثم تتصاعد الأحداث بقالب كوميدي ضمن سيناريو فيلم اعترافات زوج انتاج 1964.

استخدام الحيلة من قبل المرأة تكون نتيجته خسارتها للجولة في النهاية على الأغلب، هذا من وجهة نظر سينمائية اذا جاز التعبير، فيلم دعاء الكروان 1959 احد الأمثلة على ذلك عندما تلجأ فاتن حمامة للعمل متخفية كخادمة في بيت المهندس احمد مظهر بهدف الإنتقام منه بعد ان غرر بشقيقتها، الا ان العلاقة تتحول الى حب جارف بين الطرفين.

وبنفس السياق وفي قالب درامي مؤثر تدور احداث فيلم ( الراعي والنساء) 1991، ويجمع سعاد حسني ويسرا وميرنا ويتنافسن للاستحواذ على اهتمام الفنان احمد زكي حسب قصة الفيلم، وفي كلا العملين السابقين يموت الاحمدين (مظهر وزكي)، والنتيجة على رأي المثل (لا طلنا بلح الشام ولا عنب اليمن !).

المكر الجميل..

» المكر الجميل » قد يكون الوصف الأقرب بدلا من (الكيد) في بعض الحالات والأمثلة كثيرة، ومنها فيلم (كيد النسا) 1950 وتدور الحكاية حول رجل يتبنى طفلة ويوعز بتربيتها لامرأة ساذجة والهدف من ذلك كي لا تتعلم (كيد النسا)، وعندما تكبر يبدأ الرجل الذي تبناها بالميل العاطفي نحوها، وتبدأ هي باسلوب فكاهي بتلقينه درسا بذلك لاقناعة بالشخص المناسب الذي ترغب بالزواج منه، (الأستاذة فاطمة) 1952 وتؤدي به فاتن حمامة دور محامية تبرِّيء فتى احلامها كمال الشناوي من تهمة القتل باستخدام الحيلة المدبرة، لعجزها عن اثبات ذلك بالقانون نظرا لخبرتها المتواضعة في عالم المحاماة، وبفيلم الكمساريات الفاتنات 1957 تعمل مجموعة من الفتيات بمهنة (كمساري) بهدف منافسة احتكار الرجال لهذه المهنة ويدبرن لهم مجموعة من المقالب لتحقيق ذلك، بفيلم (صغيرة على الحب) 1966 تتخفى سعاد حسني بهيئة (طفلة) لكي تشارك بمسابقة اغاني الاطفال وتحقق هذه الأمنية في النهاية.

المرأة والساطور..

غدر أو خيانة بعض الرجال يواجه بكيد النساء حسب ما جاء بالعديد من الأعمال السينمائية، ومن بينها فيلم الزوجة 13 انتاج 1962 عندما تلجأ شادية وبخفة دمها المعهودة لوضع خطة بهدف الانتقام من الزوج رشدي أباظة بعد ان اكتشفت انها الزوجة رقم 13 في حياته واخفى عنها هذه الحقيقة، وبنفس السياق تدور احداث فيلم كرامة زوجتي 1967 وعلى يد شادية أيضا والزوج هذه المرة هو صلاح ذو الفقار، هذه الأعمال جاءت في سياق كوميدي كما هو ملاحظ، وتم التطرق لهذه القضية بأسلوب جاد أيضا وفي اعمال مثل (خدعتني امرأة) 1979 و(كيدهن عظيم) 1983.

أما انتقام المرأة الاكبر لخيانة الرجل جاء في بعض الأعمال التي لا زال يتندر بها الجمهور لغاية الاّن كفيلم (العذاب امرأة) 1976 ل نيللي، و تقوم بدور زوجة ينتابها الشك بوجود علاقة بين زوجها الطبيب (محمود ياسين) وزميلته(صفية العمري) يدفعها ذلك لإيهامه بأنه ليس الأب الحقيقي لإبنهما ما يؤدي به لأزمة نفسية قاسية أوصلته لفقدان الذاكرة.

بفيلم (المرأة والساطور) 1997 لنبيلة عبيد وابو بكر عزت تقوم الزوجة بتقطيع زوجها (إربا) بعد ان ذاقت منه الأمرين، والعمل مأخوذ عن قصة حقيقية وقعت في مصر تداولتها الصحف وقت حدوثها.

كيد أبيض..

وكما يوجد ما عُرِفَ ب(الكذب الأبيض)، هناك ما يمكن تسميته ب(الكيد الأبيض) أو الإيجابي، ومنه تستطيع المرأة تحقيق منجزات تعود بالفائدة على الاّخرين وهذا حسب رؤية قدمتها السينما ببعض الأفلام مثل: عدو المرأة 1966 لنادية لطفي ورشدي أباظة، وتقوم به نادية بدور الفتاة التي تسعى لحل عقدة الكاتب المعروف بعدائه للمرأة وتخترق عالم هذا الرجل دون الافصاح عن هويتها الحقيقية، وتستطيع اخراجه من هذه الأزمة في النهاية ويكافئها على ذلك بالزواج منها.

فيلم (العزاب الثلاثة) 1964، يتطرق لحياة ثلاثة شباب قرروا الاعتكاف في شاليه متواضع على الساحل بهدف مقاطعة النساء بعد ان تشاجر كل منهم مع خطيبته، الهام (سعاد حسني) صديقة الخطيبات الثلاثة تتوجه للمنطقة التي يقيمون بها، وتوهم كل واحد بأنها معجبة به وتحدد معه موعدا في مكان ما ليجد كل منهم خطيبته في نفس المكان، وتعود المياه لمجاريها بين الجميع وحسب النهايات التقليدية لنسبة كبيرة من الأفلام العربية.

للرجال فقط..

(للرجال فقط) 1964 عمل سينمائي جمع سعاد حسني ونادية لطفي معا، وتتنكران بالفيلم بصورة رجلين مرسلين من قبل الشركة للعمل بحكم التخصص في مجال التنقيب عن البترول، والسبب لهذا التنكر يعود لعدم عدم السماح للنساء بالعمل في هذا المشروع، وبهذه الحيلة كان لهما الدور الفعال في استخراج البترول من الموقع.

فيلم (الايدي الناعمة) 1963 يتحدث عن الرجل الاقطاعي (احمد مظهر) الذي لازال يحلم بزمن الباشوات، ويتعامل بفوقية مع الاخرين رغم تأميم املاكه باستثناء القصر الذي يعيش فيه، تدخل في حياته كريمة التي تقوم بدورها صباح وتبدأ بتغيير فكرته عن الحياة والناس وخلق صفة التواضع في شخصيته لدرجة ان تذهب معه لسوق الخضار لتشتري أوزة وترغمه بأسلوب الدلال على حملها بعد ان كان مترفعا عن ذلك.

حماتي قنبلة ذرية..

الحموات ومناكفتهن للأزواج والزوجات شكلت مدخلا لتصوير عشرات الأفلام أيضا والتي يغلب عليها الطابع الفكاهي يدور معظمها حول الخطط والحيل التي تضعها الحموات ل (تأديب وتهذيب وإصلاح) زوج الابنة أو زوجة الابن وعلى طريقتها.

وعند الحديث عن كيد الحموات ضمن السياق الدرامي للأفلام لايمكن تجاوز الفنانة القديرة ماري منيب ونجاحها في دور الحماة بالعديد من الأفلام مثل: حماتي قنبلة ذرية 1951، حماتي ملاك 1959، شهر عسل بصل 1960، والفيلم الأجمل الحموات الفاتنات 1953 مع كمال الشناوي وكريمان، ويدور العمل حول تنفيذ المكائد المتبادلة بينها وبين حماة ابنها (ميمي شكيب).

ومن نوعية هذه الأفلام أيضا (الشقة من حق الزوجة) 1985 وتؤدي دور الحماة الفنانة نعيمة الصغير وسعيها لتطليق ابنتها من زوجها بهدف الحصول على الشقة حسب القانون، الفنانة يسرا التي ابدعت بالعديد من الأدوار الرومانسية، ظهرت بفيلم (جيم أوفر) وبدور مغاير هذه المرة وقدمت شخصية الحماة ومناكفتها لزوجة ابنها بالفيلم مي عز الدين التي تدبر لها المقالب ايضا حتى تتم المصالحة بينهما في النهاية.

إضاءات..

تقييم مجمل الأعمال الخاصة بهذه الرؤيا السينمائية يوحي بالعديد من الاضاءات منها ان اغلب هذه الأعمال وبفترة الخمسينيات والستينيات تحديدا، جاءت مسايرة لموجة كانت سائدة تلك الفترة والهدف من ذلك تجاري بحث على الأغلب.

وبالرغم من وجود العديد من النساء ممن خضن مجال الإخراج والتأليف ومنهن من جمعن بين الخاصتين، والمفروض انهن الأقدر على نقل الصورة الحقيقية لواقع المرأة العربية، ومع ذلك قله هي الأعمال التي أنصفت المرأة وحاولت تحليل اسباب ودوافع النساء في العديد من القضايا، ومنها ما نسب اليها من صفات الكيد والغيرة، ومع ذلك تبقى بعض الأعمال المتميزة في هذا المجال ومنها فيلم: عفوا ايها القانون 1985 للمخرجة ايناس الدغيدي.

أهم الماّخذ على غالبية هذه الأعمال أنها مقتبسة عن أفلام ومسرحيات أجنبية وتبرز اشكالية في هذه الحالة عند اسقاط هذه الرؤيا سينمائيا على واقع المجتمعات العربية باستثناء خلق حالة من أجواء المرح والكوميديا، وهذا ما ينطبق على بعض الأفلام المقتبسة ومنها: الزوجة 13 واشاعة حب.

الحيادية فيما يتعلق بهذا الطرح وردت بمجموعة من الأفلام بحيث ان الرجل كان هو المحرض الذي يضع الخطط لتدبير المكائد كي تنفذها امرأة، وبرع بهذه الأدوار مجموعة من المبدعين من بينهم استفان روستي ومحمود المليجي وتوفيق الدقن وعادل ادهم.

المرأة التي غلبت الشيطان..

و خلاصة ماسبق وكما يقال ان المكتوب يعرف من عنوانه، تبقى هناك اعمالا كثيرة اوحت بإدانة المرأة كفيلم: المرأة التي غلبت الشيطان 1973، واخرى تنادي بإنصافها مثل: لا تظلموا النساء 1980، و في كلا الحالتين لابد من الإقرار أن المرأة ظالمة ومظلومة هي الملهم الرئيسي في ابداع العديد من الأفلام، وهذا ما يؤكده مخرج الروائع العالمي الفريد هتشكوك في لقاء جمعه بالفنان حسين فهمي اثناء دراسة الأخير في اميركا، وبادره فهمي متسائلا: هل يمكن أن ينتهي فن السينما في المستقبل، أجاب هتشكوك وبغض النظر عن نواياه:

«طالما ان هناك نساء على وجه الأرض.. ستبقى السينما حاضرة.. عصية على الغياب».