أبواب - محمد سويلم - تصوير محمد القرالة

يعيش حياته معتمدا على أنبوب مغروز في أسفل بطنه؛ لم يدخل جوفه عن طريق فمه شيء منذ ست سنوات.. يتغذى من خلال حقن بطنه بالحليب والماء فقط.

محمد الزعبي.. الذي مضى من عمره ستة أعوام؛ شُخّصَ بمرض خطير يعرف طبيا بتشكل المادة البيضاء على دماغه، ومنذ ذلك الحين بدأ جسمه بالضمور وتقلص العضلات والشلل شيئا فشيئا مع مرور الوقت..

طريقة تغذيته بواسطة الأنبوب لا تخلو من بعض الألم، فيسمع صوت التأوهات والبكاء خلال عملية حقنه بالحليب، وقد تلاشى محمد حتى لم يبق منه سوى عظم هش يكسوه جلد ضعيف، أثر هذا على عموده الفقري الذي فقد مرونته وصار متصلبا يحتاج مداراة وعناية عند تحريكه وحمله.

ليس محمد فقط من يعاني المرض في هذه العائلة، فالشقيق الأكبر أسامة الذي يبلغ من العمر اثنتي عشرة سنة يعاني مرض التوحد منذ كان صغيرا، لوهلة لا تحسب ان هذا الولد الوسيم الذي يتمتع بصحة جسدية وبنية قوية؛ يعاني من اية اصابة حتى تبدأ بمراقبته، ولديهما ايضا شقيقتان تكملان عقد هذه الأسرة.

ولعله ليس خفياً حجم الرعاية الكبير الذي يحتاجه هذان الطفلان، ناهيك عن كم الأرق والقلق بخاصة مع حالة أسامة الذي يحتاج مراقبة حثيثة والامساك به معظم الوقت للسيطرة على تصرفاته العنيفة الناجمة عن هذا المرض (التوحد) والتي قد تسبب له ولغيره الأذى الشديد..

ومع مرور الوقت على تقديم العناية لهذين الطفلين.. ازدادت كلف العناية والعلاج لهما وصار توفير احتياجات رعايتهما ومستلزمات علاجهما أمراً شاقاً يتجاوز إمكانيات هذه الأسرة البسيطة التي تعتمد راتب وظيفة متواضعاً، يكاد لا يكفي لسد ثمن الحليب الخاص مرتفع الثمن الذي يقتاته محمد..

اضطرت هذه العائلة -التي ألمحت أكثر من مرة على لسان الوالد والوالدة إلى تحريهما وحرصهما التمسك ب«نعمة الصبر على البلاء والاحتساب إلى الله والرضا بالمقدور من مصاب»- في وقت ما إلى بيع أثاث المنزل لتوفير مصاريف العلاج، إلا أن الأمر لم يقف عند هذا الحد بل احتاج إلى التضحية أكثر وأكثر؛ حتى وصل الحال إلى الاضطرار لبيع منزلها في مدينة السلط واستئجار بيت بأحد قراها..

وبالعودة قليلا إلى الماضي قبل اصابة محمد بالمرض؛ كانت الوالدة (أم أسامة) تساعد زوجها بمصدر الدخل الذي تساهم به من خلال وظيفتها التي اضطرت لاحقا إلى تركها، حتى تتفرغ لرعاية هذين الطفلين اللذين يحتاجان كل دقيقة من الاهتمام والانتباه طوال اليوم بالليل كما في النهار..

اليوم لم يعد عند عائلة (أبو أسامة) ما يصلح لبيعه أو مقايضته؛ حتى أثاث البيت المتواضع البسيط لن يسد حاجة بعد الآن، ويبقى محمد بلا علاج فعلي سوى بعض مراجعات طبية روتينية، ويبقى حليبه، الذي تبلغ ثمن العبوة الكبيرة منه نحو ١٦ دينارا تكفيه لنحو ٤ أو ٥ أيام فقط؛ عبئا يثقل كاهل العائلة.

والواقع أن الأمر يتعدى ليشمل العلاجات والمستلزمات الطبية، وما إلى ذلك من مصروفات كنحو أجار بيت وفواتير كهرباء وماء، هذا عدا عن كلفة وتبعات رعاية أسامة وعلاجه، ويضاف إلى ما تتطلبه ابسط اساسيات معيشة ابوين واربعة اطفال..

تجد الأم صعوبة في اعطاء وقت واهتمام كافيين لأجل رعاية (محمد)، بسبب ما يحتاجه منها شقيقه الأكبر (أسامة) من وقت وجهد لتقديم الرعاية والمراقبة اللتين يحتاجهما باستمرار، خاصة في ظل غياب الأب لبعض ايام الاسبوع بسبب متطلبات عمله.

وفي حين أن وجود الأب يساعد بتقاسم المسؤولية من خلال توليه الاهتمام بأسامة الذي بات بحاجة ماسة لمركز رعاية يقدم الكثير من العناية والتعليم له ولأقرانه المصابين بهذا المرض، لكن قلة الإمكانيات المادية تحول عن تنفيذ ذلك.

الزائر لمنزل هذه العائلة.. تأخذه نفحة من أجواء الدفء الأسري ومشاعر الحب التي تفوح في هذا البيت؛ برغم كل ما يمرون به فالأبوان يتعاملان بمنتهى الحب والفرح مع مرض طفليهما ومع اسلوب رعايتهما، حتى صار عنوان حياتهما الذي لا يعرفان غيره، ولا يجدان معنى للحياة سواه، بحسب تعبيرهما.

وبرغم انشغال الأبوين برعاية الطفلين إلا أن هناك شقيقتين أيضا يتقاسمن هذه الرعاية، فهاتان الطفلتان تشكلان كمال الحلقة التي تدور حولها قصة المشاعر الجياشة والعاطفة التي تسري في شريان هذه الأسرة. دعاء بعمر التاسعة تفيض حسنا وذكاء ولا ترضى الا بالعلامة الكاملة في دراستها، أما ديمة ذات السنوات الأربع فلا تقبل مناداتها بغير لقب (دكتورة).. هما مثل أميرتين ودودتين تكملان فرحة هذا البيت.