كتب: المحرر السياسي

ما أن طرَحت السلطة الجزائرية المُمثّلة برئيس الدولة المؤقت عبدالقادر بن صالح سلّة التعهدات الجديدة, وبخاصة الموافقة على مُقترَح القائمة التي تقدّم بها منتدى «المجتمع المدني للتغيير» والتي ضمّت 13 شخصية, لادارة الحوار السياسي المرتَقب والذي طال انتظاره في الجزائر، حتى اندلعت من جديد موجة من الرفض والتشكيك والغمز من قناة اصحاب القرار, وبخاصة إصرار قوى الحِراك الشعبي على استجابة السلطة لمطالبها المتمثلة في بدء مرحلة انتقالية وانتخاب مجلس تأسيسي ورحيل رموز النظام السابق، الأمر الذي رأى فيه امين عام الرئاسة الجزائرية نور الدين عيادي, الذي عهدت اليه الرئاسة تقديم سلّة التعهدات الجديدة كون القوى السياسية المعارِضة لا تتجاوب كثيراً مع خطابات وطروحات رئيس الدولة المؤقت عبدالقادر بن صالح، رأى – العيادي – في بدء مرحلة انتقالية, انه استدعاء بالضرورة لتجميد عمل المؤسسات الدستورية القائمة واستبدالها بهيئات خاصة فرضت نفسها بنفسها – كما قال – ,كون المجلس التأسيسي يحمل في طيّاته فكرة التشكيك في المبادئ المُسيِّرة للبلاد.. لافتاً الى ان مراجَعة المسائل المصيرية, التي تم الإعداد لها بِجدّ منذ استقلال البلاد بل حتى قبل الاستقلال – كما استطرَد – والرغبة في إعادة فتح النقاش حول هذه المسائل في ظرف تطبعه الهشاشة، يعني – أضاف – المخاطرَة بإضعاف اللُحمة الاجتماعية والمساس بوحدة الشعب وأمن البلد، وخصوصاً ان هذا الخيار سيؤدي الى استمرار الازمة».

تبدو الهوة بين الطرفين واسعة وإمكانية التجسير عليها اكثر صعوبة حتى بعد استبعاد الجيش وباقي مؤسسات الدولة عن هيئة الحوار الوطني التي قَبِلَ بها رئيس الدولة واستقبل ستة من اعضائها غير المنتمين الى اي حزب, ومنهم رئيسا حكومة سابِقيْن ورئيس برلمان سابق وخبيرة دستورية وخبير اقتصادي ونقابِيّ أطلق عليها إسم «هيئة الحوار الوطني» ناهيك أن قوى الحِراك الشعبي لم تتنازل عن مطالبها الثلاثة, وبخاصة رحيل (باقي) رموز النظام السابق اضافة بالطبع الى بدء مرحلة انتقالية وتشكيل مجلس تأسيسي. وهي مطالب أعلن رئيس الدولة وخصوصا رئيس اركان الجيش نائب وزير الدفاع الجنرال قايد بن صالح رفضهما لها.

واذا كان فوز المنتخب الجزائري بكأس الأمم الافريقية قد اسهم في توحيد الصف الجزائري–الرسمي والشعبي – وجاءت احتفالات الفوز في يوم جمعة, بما هو الموعد الاسبوعي لتظاهرات الحِراك المستمرة منذ 22شباط الماضي في شكل سلمي مثير للانبطاع والإعجاب وقدرة الجزائريين على عدم الانزلاق الى هوّة الفوضى والعنف, التي يحذر منها الجميع وهناك منهم من يدعو الى الالتقاء عند المُشترَكات بعيدا عن تضخيم الخلافات, خصوصا ان المطروح الآن هو تنظيم انتخابات رِئاسية في اقرب الآجال, منوط بهيئة الحوار الوطني تحديد موعدها بعد الانخراط في حوار وطني جامع لا إقصاء فيه لأحد ولا احتكار للوطنية والحقيقة فيه لأي قوى سياسية او حزبية او نقابية (في ظل إبقاء الجيش والسلطة عن مداولات الحوار, بل تعهّدت الدولة بتقديم الدعم التقني واللوجستي للهيئة ووضع تحت تصرفها كل الموارد التي تحتاجها لإتمام المهمة).

بات مطلوباً إذاً بدء هيئة الحوار الوطني مهمتها, لكن المستجدات التي طرأت بعد ذلك, وبخاصة التصريحات التي ادلى بها وزير الخارجية الجزائري الاسبق احمد طالب الإبراهيمي, بشأن اقتراح «شخصِه» عضوا في الفريق المقرّر تشكيله لإدارة الحوار السياسي، زاد من الشكوك في شأن امكانية بدء مهمتها, بعد ان انتقَدَ او استغرَب او احتجّ الابراهيمي على ضمّ اسمه لمُقترَح القائمة العتيدة من دون استشارَته, لكنه لم يكتف بذلك بل ذهب بعيدا في طرح شروط لنجاح الحوار المنتظَر, وهو قبول السلطة بمنح هيئة الحوار «كامل الصلاحيات السياسية لمعالجة الازمة, وخصوصا الإقرار بوجود أزمة ثقة واعلان تدابير تهدئة».

مِن تلك التدابير التي تُطالب بها اطراف المعارَضة كما الشخصيات الوطنية المستقلة كالسيد الابراهيمي..إطلاق سراح المُعتقلين وتحرير الإعلام الجزائري من كل الضغوطات التي يتعرّض لها, وتوفير الظروف والتسهيلات التي تُتيح للمواطنين ممارَسة حقِّهم الدستوري في التظاهُر والتجمّع السِلمِي.

مصادر السلطة كما نقلتها وسائل اعلامية وحزبية, لا تمانِع منح «الهيئة» مثل هذه الصلاحيات, لكنها تقف موقفا حازما – كما سبق القول – من مسألة ترحيل باقي رموز السلطة وبدء مرحلة انتقالية وتشكيل مجلس تأسيسي.. ما يعني ضمن أمور أخرى أن الأزمة مرشّحة لأن تراوح مكانها ويُترك للميادين وقوى الحِراك ان تُبقي على زخمها, دون ان يلوح في الافق امكانية دخول شخصيات وهيئات ذات تاريخ وطني ونضالي وسمعة لم تتلوث بالفساد او السقوط في شبهة خدمة رموز النظام السابق, كي توفر مناخات مناسبة لإعادة بناء الثقة بين السلطة والجمهور والانخراط في حوار وطني جامع وشامل وشفاف, يمنح اولوية للاستحقاق الوطني العاجل والابرز في هذه المرحلة, وهو الانتخابات الرئاسية كون الرئيس المؤقت «بن صالح» لا يمتلك الشرعية لإحداث اي تغيير في الوضع الراهن لأنه غير مُنتخب وهي كلّها من صلاحيات الرئيس المُنتخَب وحده. مع الأخذ في الإعتبار أن هناك مِن أحزاب المُعارَضة مَن يدعو الى «حوار مُباشِر» أو غير مباشِر مع قيادة المؤسّسة العسكرية, وأبرز الداعِين الى ذلك هو عبدالله جاب الله... رئيس حزب جبهة العدالة والتنمية.