د.فيصل غرايبة

لا غرو أنه لا يصنع الثقافة إلّا المثقفون، ولا يصنع التربية إلّا المربون، ولا يصنع الإعلام الا الإعلاميون، وإنه لينبغي مراعاة أن تكون إدارات هذه الحقول منبثقة من جمهور المثقفين وجمهور المربّين وجمهور الإعلاميين كلّ في حقله سواء بسواء، لكي تعرف هواجسهم وهمومهم وتدرك واقعهم وما إليه يطمحون، وتملك أن تحقق فرادة وتميزا وأحدوثة حسنة في مجالاتهم، يطمئن معها العاملون في هذه الميادين، وتشتمل على دواعي الثقة والود المتبادلين.

يخطّ إبراهيم العجلوني سطوره مدركا للزوم أن يكون الكاتب الوطني مسؤولا أمام ربه وأمام نفسه وأمام أبناء شعبه جميعهم، وهو يعدّ الكتابة أمانة، وليس أن يبدي المرءُ رأيه في مسألة ما أو موقف مستجد مزهوا بما يظنه اعترافا بعبقريته.

ومنذ كتابه الأول «نظرات في الواقع الثقافي الأردني» الصادر عام 1989، مرورا بكتبه المتلاحقة «نحن وثقافة المستقبل» و«هموم أردنية» و«العقل والدولة»، ثم انتهاء بهذا الكتاب الذي بين أيدينا؛ ظلّ العجلوني الكاتبَ الواسع والمحلل العميق في همٍّ مقيم من واقع الثقافة في بلدنا العربي الأمين –الأردن- وجميع بلاد العرب والمسلمين، توافر عنها ومنها حصاد كبير، ليضيف في إشارته إلى مواصفات الكاتب الوطني أنه لا يلبث أن يعد في القلة الصابرة لتكاليفها، أو في الكثرة التي تلقيها حصائد ألسنتها في ما يسوء وينوء، وأن أحدنا وما يختار، ?ما منا إلا وعلى نفسه بصيرة، ولو ألقى معاذيره.

لذلك لا تعدو صفحات هذا الإصدار الجديد المعنون «في الثقافة الأردنية.. الرؤية والواقع»، أن تكون إضاءة رغب كاتبها أن يطلع عليها أبناء أمته العربية، ليكونوا بمشهد مما تَصدر عنه وتعود إليه، وأن تصدر في عمّان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية، التي قد حظيت ابتداء بخطاب سياسي ناجز، هو خطاب النهضة العربية الكبرى، التي قادها شريف مكة المنقذ الأعظم الشريف الحسين بن علي، وتلك مزية أو ركيزة يتأسس عليها أيّ تجديد في خطاب الدولة الأردنية، وهي تحقق مسارها في التاريخ الحديث. إذ أن الوقائع المستجدة المتداخلة والتحولات السياس?ة الجذرية في العالم، تلزمنا اليوم بتحرير خطابنا السياسي على نحو تُراعى فيه التطورات، وبأن نوفر له أكبر قدر من الموضوعية، ونمد دلالاته على أكبر مساحة ممكنة من الحيثيات، ونجعل دائرته في اتساع مطرد على محاوره الثابتة وأسسه المكينة، ناظرين في كل ذلك لى احتمالات المستقبل، وإلى ما سيكون فيه من ألوان العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية.

على هذا الغرار، صدر حديثا كتاب جديد للدكتور أحمد سليمان البشايره الخبير بالتعليم بنوعيه العام والعالي بعنوان «من حصاد الأيام»، يتكون من ثلاثين موضوعا اختارها مؤلفه من بين ما احتفظ به من كتابات، على شكل مقالة أو خطاب أو بحث أو دراسة، تراكمت لديه على مدى خمسين عاما، كان يحدد في بعضها عناوينها وما يندرج تحته من معلومات وأفكار، وفي بعضها كان يقدم إليه العنوان ويطلب منه أن يشارك فيه بمقالة تنشر أو حديث يلقى في مناسبته، وبعض ثالث جاء تعبيرا عن ردة فعل ومشاعر في مناسبة شهدها أو حدث عاشه أو حادث تعرض له، ثم عزم عل? نظم حبات العقد ليصونها ويحفظها من الضياع ويُكسبها بهاء وقيمة، ولما كانت طبيعة المرء وخصاله الشخصية تعرَف من خلال انتمائه لجماعة بأعضائها، فقد رأى أنها تكتسب ديمومة أفضل وقيمة أكبر وتأثيرا أقوى إذا صُنفت وجُمعت معا في كتاب.

استوحى المؤلف عبارة «من حصاد الأيام» عنوانا للكتاب، من اعتبار القلم منْجلا لأفكاره يحصدها من حقل خاطره، يكوّن منها بيدرا من الكلمات والعبارات والصفحات، ينجم عنها خاطرة أو مقالة أو كتاب... فتألف هذا الكتاب من أربعة اقسام تناولت موضوعات دينية وأدبية وعلمية وتربوية وتعليمية وآداب وقواعد سلوك. ولعلها زاد متكامل في الثقافة الشخصية والعامة، رأى فيها كاتبها أنها اعمال لا تنتهي صلاحيتها، إذ أنها حول ثوابت وأسس ومبادئ تعيش معنا ونعيش معها على الدوام. ويخاطب في ختامها الشباب، ويحدد قيما يرجو أن يتمثلوها ليبلغوا النج?ح تتجسد بـ«الحب» و«المسؤولية وتقديرها» و«الثبات على الخير وعمله» و«الإخلاص» و«الموازنة والتقييم» وفي إطار من كرامة الشخصية والرجولة.

ووفقا لمفهوم عبدالله رضوان للإنتاج الثقافي والعمل الفني بعامة والرواية بخاصة، يبدو واضحا أنه بنية متكاملة شكلا ومضمونا، ضمن قواعد وقوانين متعارف عليها، وإذا ما خرج عنها فيكون ذلك ضمن قواعد وقوانين جديدة، تتضمن وحدته الموضوعية، التي تشد عناصره بعضها ببعض، إذ أن مثل هذا العمل الفني لعبة ذكية يلعبها محترف، يحرك عناصرها ضمن قانون متعارف عليه لا يتجاوزه.

لهذا فإن اهتمام عبدالله رضوان قد انصبّ أساسا على الموضوع الذي تطرحه الرواية، وتتضح مرجعيته بواقع المجتمع وما يمور فيه من تحولات اجتماعية واقتصادية وثقافية، وتتوقف أهمية الموضوع على ما يطرحه من أيديولوجيا، تساعد على تقدم المجتمع وخلاصه من الفساد والضياع. وهذا ما تضمنه كتاب بعنوان «رؤيا النقد والابداع.. قراءات في أعمال عبدالله رضوان» احتوى على أكثر من ثلاثين شهادة لكتاب بارزين تمعنوا بإبداعات عبدالله رضوان ونقدوها وحللوها في فترات متلاحقة، وواصل الكاتب المبدع سمير اليوسف إعداد كتاب مليء فيها وقدم له باستيعاب? أنهاه بما قاله عبدالله رضوان في آخر كلماته قبل الرحيل: (أشهد أنني عشت، أشهد أنني شاهدت، أشهد أنني أحببت، أشهد أن هذا كله باطل وقبض هواء، أشهد أن لا يقين على الأرض الا الموت، أشهد أنه لا إله إلا أنت).

• كاتب وباحث وأكاديمي أردني