نوزاد جعدان

لم تعد قريتنا كما كانت، كان على قريتنا أن تعود إلى الليل مرّة أخرى، ولا عادت معجزات الأنبياء تنفع معها، متأخرة مرّت سفينة نوح ولم تجد أحداً، فقط غرقى في دمع الأرامل، ولم تفدنا عصا موسى إذ أصبحت كأي عصا أخرى لا تنفع حتى في دلّ القطيع إلى الطريق، وقميص يوسف أيضاً أصبح كأي قميص آخر نشتريه من أي محل ما زال عليه بطاقة السعر ولا يعيد النور إلى من فقد بصره من الألغام التي زرعوها في حقولنا. هكذا أصبحت حالنا بعد أن هجم على قريتنا تنظيم داعش وخطفوا حسناء القرية خديجة، ثمَّ ازداد الأمر سوءا بعد أن فجّر أحد أفراد التن?يم نفسه بحزامه الناسف مسجدَ القرية الوحيد في ليلةٍ سجد فيها القمر للعتمة، كنّا نصلي فيه وكانت أحوالنا «عال العال»، نصلي صلاة الاستسقاء فينهمر المطر، ندعو للعقيم بالإنجاب فيُرزق بالأطفال، المسجد الذي جرى تفجيره كان يسترنا ويحفظ تقاليد قريتنا.

ترددت الأنباء من الإذاعة الوطنية التي تعوّدنا على أكاذيبها -فإن صرّحت بأنها ستمطر الليلة نقوم بننشر ثيابنا على حبال الغسيل في الخارج، وإن صرحت بانخفاض الأسعار يصفرّ وجوه أهل القرية ويبدأون بشراء البضاعات بكميات كبيرة والتموين والخوف أيضاً أكثر وأكثر- أن الجيش حرر المنطقة وطرد داعش منها وفك أسر الرهائن، وهكذا بعد أيام عاد ما تبقّى من الرهائن، ومن بينهم كان صديقي الدرويش الصوفي عبد القادر الذي اعتكف في منزله ولم يعد يُحدّث أحداً، عاد بأسمالٍ بالية ووجهه كمثل صنم بشري، سألناه كثيرا عما تبقى من المحتجَزين ولكن? لم ينبس ببنت شفة إلا حين ذكرنا اسم خديجة صاح كالمجنون: «للبيع.. للبيع.. سبايا.. مستشفى.. ابن النفيس.. مستشفى.. للبيع».

بقينا لأيام نبحث عن أي عنوان أو مكان مع أفراد الشرطة والجيش ربما يدلنا على خديجة، كان ذلك في كانون الأول، والليل بارد في كانون، الليل ثعلب يسرق دجاج قريتنا، الليل بعض من خديجة ولص في قصص جدّي. بعد الكثير من الليل، وجدنا مكانها، كانت في حالة غيببوبة تامة لا تشعر بأي شيء حولها، وخديجة لم تعد نفسها تلك الفتاة التي يتعرى الثلج على أسنانها ويهبط قطيع ماعز فخم على شعرها، أصبح شعرها أشعث وأسنانها صفراء، بات منظرها مرعبا وهي فاغرة الفم بوجهها الشاحب وكأنه حقل قمح محروق، حاولنا كثيرا إيقاظها ولكن لم تنفع كل المحاول?ت.

ارتأى والداها أخذها إلى المنزل، فلا فائدة ولا طائل من مكوثها في المستشفى كل هذه المدة كما نصح الأطباء بذلك، تتالت الأيام ونحن نقف أمام جثة هامدة فقط ينقصها لقب «ميتة» وضريح صغير يحتوي ذلك الجسد النحيل كي تكون ميتة بالفعل، جلبنا فستانها الأبيض المرقط بأزهار حمر، تلك الأزهار التي لم تذبل يوماً عن ذلك الفستان الذي كانت ترتديه فتسلب به عقولنا، وضعناه إلى جوارها، كان الفستان الخاوي منها يثير الألم في نفوسنا. كم كثرتْ الأشياء الخاوية في قريتنا. ثم أحضرنا دميتها التي كانت لا تفارقها ومددناها إلى جانبها، دميتها ال?ي كانت لا تفارقها، لعلها تشعر بأي شيء وتستيقظ فيصحو الأمل الغافي في الليل الطويل الجاثم على قريتنا، ولكن لا شيء يدعو للتفاؤل. أما عبد القادر الدرويش فقد صحا من نوبته المجنونة وحلق لحيته وغيّر تسريحة شعره، وبنى مكان المسجد باراً فخماً فيه كل أنواع الخمور وأحدث الرقصات والدبكات حتى بات مقر عجائز قريتنا الجديد، إذ كانوا يجتمعون ويحتسون البيرة بدلا من جلساتهم السابقة في ساحة القرية وهم يشربون الشاي.

انقلبت الأمور رأسا على عقب، وغدا جدي يضع المثبتات على الشعر المتبقي في رأسه ويرتدي سراويل الجينز بدلا من «الشروال»، ويعاكس الفتيات كلما مرّت أمامه إحداهن، وأخيرا قرر الزواج مرة ثانية على جدتي، لم تعد تنفع معجزات الأنبياء في القرية ولا حكمة جدتي تنفع معها.

مرت الأيام وخديجة نائمة في سريرها. كان يخيل لي أن قبلة منّي ربما توقظها كما يفعل الأمراء في حكايات الأطفال فتستيقظ الأميرة النائمة، ولكن عبثا.. فالحروب تدمر حتى قصصنا الحزينة.. كلانا يفقد ملامحه.. أنا في حالة حرب، وهي في حالة حرب. متى يتنزه الموت يا خديجة ليستنشق الموتى الهواء.

في يوم عرس جدّي مر البائع الجوّال والذي يرتاد قريتنا مطلع كل شهر ويبيع ثيابا يجلبها من المدينة على عربته التي يجرها ثوران متعبان، وهذا البائع يمتاز بلكنته الملثوغة الطيبة والمضحكة، فبدلا من أن يقول «حرب» يقول «حب»، لذا لم نره قطعا يردد كلمة «حرب»، في ذلك اليوم طرق على طبلته مناديا بلكنته والتي اعتدنا عليها «للبيع.. سياب.. للبيع»، وما إن وصل الصوت إلى غرفة خديجة حتى حصلت المعجزة التي انتظرناها طويلا، شاهدنا خديجة تستيقظ من غيبوبتها بسرعة مذعورة وتهمُّ بخلع كل ثيابها وتصرخ «حسناً سيّدي»..